انشاء حساب



تسجيل الدخول



مدخل جامعة بكنج الصينية
24 يناير 2017
3581

عام 1998، وبمناسبة الاحتفال بمئوية جامعة بكنج الصينية العريقة، وقف الرئيس الصيني حينها جيانج زيمن ليعلن أن بلاده "يجب أن تكون لديها جامعات على مستوى دولي، ترقى لأن تكون من أفضل الجامعات حول العالم".

 

وعام 2016، سجلت مجلة Times Higher Education البريطانية، في تصنيفها السنوي لأفضل الجامعات حول العالم، الصعود المستمر منذ أعوام للجامعات الآسيوية في التصنيف، وعلى رأسها الصعود الواضح للجامعات الصينية في تصنيف THE، وكذلك في التصنيفات الأخرى، فما الذي يحدث في التعليم العالي الصيني؟

 

مشروع رقم 985.. ومشروع رقم 211

أفضل 10 جامعات في الصين بحسب تصنيف QS الدولي

 

التعليم العالي في الصين يشهد تحوّلًا مستمرًّا تدريجيًّا منذ أن أعلن الرئيس الأسبق ما أعلنه، فبعدها مباشرة، أطلقت الحكومة الصينية ما أسمته مشروع رقم 985، وهو مشروع يهدف مباشرة إلى تحويل الجامعات الصينية إلى جامعات عالمية (world-class universities)، بتطويرها، وإنشاء مراكز بحثية جديدة، بالإضافة إلى إقامة مؤتمرات علمية دولية، وكل ذلك بهدف استقطاب الطلاب وأساتذة الجامعات والباحثين من حول العالم إلى الجامعات الصينية.

 

ومن قبل ذلك، عام 1993، كان "زيمن" أيضًا قد أعلن مشروعًا آخر، باسم مشروع 211، لدعم الجامعات ماليًّا، بما مقدار مجموعه 20 مليار دولار أمريكي، في تخصصات معيّنة، على رأسها العلوم الهندسية والتكنولوجية، والعلوم البحتة، وبدرجة أقل العلوم الإنسانية والبيئية والزراعية.

 

397 ألف طالب حول العالم يفضلونها صينيّة

 

ويعد هذان المشروعان علامتين فارقتين في تطور التعليم العالي الصيني في التاريخ الحديث، ونتاجًا لهذه السياسات يزداد عدد الطلاب الأجانب في الصين عبر الأعوام الماضية وباستمرار، حتى وصل إلى أكثر من 397 ألف طالب أجنبي يدرس في مؤسسات التعليم الصينية عام 2015.

 

ويشكل الطلاب الأجانب اليوم 16% من إجمالي طلاب جامعة بكنج، التي شهدت إعلان الرئيس الصيني تحول الجامعات إلى العالمية، والتي هي من ضمن جامعات القمة الصينية في التصنيفات الدولية، أما أعضاء هيئة التدريس الأجانب فيشكلون 20% من إجمالي عدد أعضاء هيئة تدريسها.

 

عين على التصنيفات

 

وبناءً على هذه السياسات، فلا عجب في أن الحكومة وقادة الجامعات في الصين يولون اهتمامًا خاصًّا بالتصنيفات العالمية للجامعات، وبتطور مراكز جامعات بلادهم فيها، بل هو اهتمام دفع الحكومة الصينية، منذ البداية، إلى تطوير تصنيفها الخاص، الذي يعد أقدم تصنيف عالمي للجامعات.

 

فالتصنيف الذي تصدره جامعة شنغهاي جياو تونغ سنويًّا، باسم التصنيف الأكاديمي لجامعات العالم (ARWU)، أو تصنيف شنغهاي اختصارًا،، الذي أطلقت نسخته الأولى عام 2003 بإلهام مباشر من الحكومة الصينية، لا يزال من الأبرز بين نظرائه، وقد كان يهدف في الأساس إلى قياس مراكز الجامعات الصينية بين بقية الجامعات حول العالم.

 

وبناءً على ذلك، فنستطيع أن نرى في معايير التصنيف الجوانب التي توليها الحكومة الصينية اهتمامًا خاصًّا لتطويرها في جامعات بلادها، فالتصنيف يركز تركيزًا كبيرًا على جانب إنتاجية الأبحاث لكل جامعة، من حيث العدد والجودة والانتشار والتأثير حول العالم، وكذلك يهتم التصنيف بالعلوم الطبيعية أكثر من العلوم الإنسانية.

 

وبينما يرى المنتقدون هذه المعايير أوجهَ قصور في منهجية تصنيف شنغهاي، فهي تخدم بوضوح هدف التصنيف الأصلي.

 

قِلّة من الجامعات

 

وعلى الجانب الآخر، فإن تحويل أي جامعة إلى جامعة عالمية يحتاج في الأساس إلى مبالغ طائلة تدفعها الحكومة، لتقديم رواتب مغرية لأعضاء هيئة التدريس الأجانب، وبناء هيكل تدريسي مميز، وقدرات بحثية عالية، بإمكانيات بنيوية قوية، ومن ثَمّ جذب أفضل الطلاب من حول العالم، بجانب تمتع الجامعة بالاستقلالية، والحرية الأكاديمية.

 

وبالتالي فإن المشروعين، بكل ما تدفعه الحكومة الصينية من أموال فيهما، وعلى الرغم من توسعهما المستمر، فهما لا يغطيان إلا نسبة ضئيلة من مجموع الجامعات في الصين حتى الآن.

 

فمشروع 985 كان قد أطلق لتغطية 9 جامعات فقط في المرحلة الأولى، ثم وسعته الحكومة بعد ذلك ليشمل الآن 39 جامعة، ولكن هذا العدد لا يمثل إلا 1.4% فقط من إجمالي الجامعات الحكومية والعامة في الصين.

 

أما مشروع 211، فعلى الرغم من توسعه عن المشروع السابق بتغطيته 115 جامعة، فإن هذا العدد لا يساوي أيضًا إلا 4%.

 

وعلى هذا يعلق أستاذ السياسات المقارنة بجامعة لينجنان في هونج كونج البروفيسور جوشوا موك كوهو، معبّرًا عن قلقه مما وصفه بـ "انعدام المساواة المتزايد في التعليم الصيني، وينتج عن هذا أن الفروقات بين خريجي الجامعات المميزة وغير المميزة أصبحت فروقات واسعة"، وهو يخشى أن يكون لهذا أضراره على المجتمع فيما بعد.

 

ويرى "موك كوهو"، كما يقول إلى "شفاف"، أن الحل هو أن تتخصص كل مجموعة من الجامعات في مجال معيّن، مما يسمح لها بتطوير نقاط قوتها الخاصة، ويدفع الحكومة لأن تشمل برعايتها عددًا أكبر من الجامعات.

 

 العولمة وما تصنع

ملخص كلمة الرئيس الصيني في مؤتمر دافوس منذ أيام

 

وعلى الرغم من أن مشروعي 985 و211 انطلقا في التسعينيات من القرن الماضي، فإن جذور توجه الصين العملي لانفتاحها إلى العالم، وتأثير ذلك في التعليم العالي خاصةً، يرجع إلى عام 1979، حين أعلن الرئيس حينها دينج شياو بينج أن بلاده يجب أن "تلحق" بالعالم الغربي.

 

وبالتالي، فإن كان يمكن تلخيص التطور الحاصل في التعليم العالي الصيني في كلمة واحدة، فستكون هي "العولمة".

 

فالعولمة هي التي صنعت احتياجات سوق العمل التي تسعى الصين لتلبيتها بتطوير جامعاتها، وهي التي "جعلت العالم قرية صغيرة"، فأصبح أعداد الطلاب الذين يدرسون خارج بلادهم في زيادة مستمرة، مما دفع الجامعات حول العالم إلى أن تكون في منافسة دولية، ومن هنا ظهرت التصنيفات العالمية للجامعات، ومن هنا أيضًا جاء اهتمامها بثقل الجامعات على الساحة الدولية بصفة خاصة.

 

وتقول مديرة المركز الدولي لإدارة التعليم الدولي (ICHEN) التابع لجامعة باث البريطانية البروفيسورة راجاني نايدو، إن انفتاح الجامعات على العالم هو "أمر قيّم، وفي غاية الأهمية، فالعديد من المخاطر التي تواجه البشرية كلها، مثل المخاطر البيئية، لن تحل إلا بتعاون العلماء حول العالم، كما أن هذا الانفتاح قد دفع جامعات من دول غنية إلى التعاون مع جامعات من دول أخرى فقيرة".

 

وتضيف "نايدو" أن هذا الانفتاح "يؤدي دورًا مهمًّا في أن يكون نافذة يطّلع من خلالها الطلاب على المعارف المحلية والدولية، وهو ما يؤهلهم لعالمنا الذي يصبح أكثر ترابطًا وتداخلًا فيما بينها يومًا بعد يوم".

 

ولكن في الوقت نفسه، تعبر "نايدو" عن قلقها من أن هذه الموجة من الانفتاح في المؤسسات التعليمية "قد تكون وسيلةً لأشكال من الاستعمار الثقافي"، كما تقول، ومعناه طغيان الثقافات البلدان الأقوى على ثقافات البلدان الأضعف.

 

وعلى الرغم من قوة الصين اقتصاديًّا، فهي ليست بمنأى عن مثل هذا الاستعمار، فبينما يصر البلد على أن تكون لغة التعليم في مؤسساته المختلفة هي اللغة المندرينية الصينية، فإن محاولات استقطاب الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والباحثين من حول العالم، يدفع الجامعات الصينية إلى التوسع في استخدام اللغة الإنجليزية.

التصنيفات العالمية للجامعات.. موضة فارغة أم ثورة في التعليم العالي؟

 

ويتفق أستاذ التعليم العالي الدولي في جامعة كلية لندن البريطانية الدكتور سايمون مارجنسون مع "نايدو" في أن هذا خطر يجب تجنبه، ويقترح قائمة من الحلول لذلك، مفادها أن تحرص المؤسسات التعليمية على أن تبقى اللغة المحلية هي لغة التعليم الأساسية، وأن تبقى المناهج مرتبطة بالتراث المحلي، وأن تطور الجامعات في كل بلد أنظمتها الإدارية والتدريسية المناسبة لها.

 

كماينصح "مارجنسون" قادة الجامعات والمسؤولين في الحكومات بعدم الإسراف في الاهتمام بالتصنيفات العالمية للجامعات، وتوجيه جزء من هذا الاهتمام إلى المقارنة مع جامعات البلدان ذات الظروف المشابهة، مع التوسع في الإسهام بالجهود البحثية الدولية، وفتح الأبواب لتبادل الطلاب والأساتذة والباحثين مع مختلف الدول.

 

وللعولمة، بصفة عامة، سلبياتها، كما أن لها إيجابياتها التي يدافع عنها المتحمسون لها، ومنهم الرئيس الصيني الحالي تشي جينبنج ذاته، الذي وقف في النسخة الأخيرة من المؤتمر الاقتصادي العالمي، منذ أيام، في مدينة دافوس بسويسرا، مدافعًا عن العولمة بوضوح.

 

فقد قال الرئيس الصيني: "صحيح أن العولمة الاقتصادية قد تسببت في مشاكل جديدة، ولكن هذا ليس مبرِّرًا لأن ندير أظهرنا لها، ولكن يجب علينا أن نهيّئ أنفسنا لاستخدام العولمة أفضل استخدام ممكن، وأن نتجنب سلبياتها، وأن ننشر فوائدها لكل البلدان والشعوب".

 

وصرَّح "جينجبنج"، الذي هو أول رئيس صيني يزور منتدى دافوس، بأن بلاده كانت لديها في الماضي الكثير من التخوفات من العولمة، لكنها قد قررت الانفتاح عليها لرؤيتها في النهاية أن هذا تحول تاريخي يمكن استغلاله من أجل تنمية الاقتصاد المحلي.

 

ولخَّص "جينجبنج" توجه بلاده بقوله إن "العولمة بحر واسع"، ولكن الصين الآن "قد تعلمت كيف تعوم".


تعليقات