انشاء حساب



تسجيل الدخول



كتب بواسطة: AhmedNasr
28 مارس 2015
9097

 

أيمن الحسيني

(*) مجموعة مقالات "هل من تعليم بديل؟" هى أجزاء مُسلسلة من بحث بعنوان "مركزيّة التعليم في مصر، و احتكار الدولة للمعرفة" قدمه أيمن أحمد الحُسينى الطالب بقسم العلوم السياسية جامعة القاهرة، و تُقدمه "شفاف" على ثلاث مقالات بعنوان "التعليم فى عصر الباشا" ، "التعليم فى زمن الضباط" و أخيرً "نحو محاولة للفهم".

يفترض البحث أن الدولة في مصر تملُك الحق الحصري في رسم السياسات التعليمية وتبسط سُلطتها أيضاً على المؤسسات المعرفية داخل الدولة. فهي تقوم بإدارة السياسة التعليمية، وتُنشأ مؤسسات تُقدم المعرفة، وتُسيطر أيضاً وتُنظم وتقبض على الهيئات أو المنظمات الأخرى التي تقوم بدور مشابه، فيما يتعلق بممارسة دور تعليمي للأفراد.
وهنا الباحث بجرأة السؤال عن مدي "شرعية" ما يُسمى بمبادرات التعليم البديل أو الموازي فى نظر الدولة المركزية بالسؤال عن  كيف تتعامل الدولة تشريعياً وتنفيذياً مع تلك المُبادرات؟ هل العلاقة بينهم تعاونية أم صدامية؟ هل تعوق الدولة ذلك الدور أم تزلل العقبات وتوفر الدعم لتلك المبادرات؟
لا يدعى الباحث أنه يقدم شيئًا جديدًا، ولكنه يأمل أن تكون سطوره تلك بداية لمحاولة فهم أكثر منطقية لعلاقة المصري بمؤسساته التعليمية ، أو على الأقل محاولة التفكير مرة أخرى و إيجاد تفسير حقيقي لنظامنا التعليم الذى نتاوله ونحن كارهين .. إن هذه الدراسة فى الحقيقة تحاول الإشتباك مع ما تم تقديمه على أنه أمرًا واقعًا!


              
 كيف نشأ وتطور مفهوم المركزية في مصر؟  وما هي انعكاساته على سياسات التعليم؟


إن المركزية هي ظاهرة مرتبطة بوجود كيان مُمثل لها، وهي الدولة في العصر الحديث. فالدولة عبارة عن شبكة من علاقات السُلطة التي ترسخ لمجموعة من الممارسات والمفاهيم والعلاقات، ومن ثم تشكل بناء محكم يعمل على تنظيم العلاقة ما بين أفراد المجتمع بشكل مؤسسي، وتنظم عملية تولي السلطة وانتقالها بين الأفراد أو المجموعات عبر مجموعة من الآليات المختلفة. وفي كل منطقة جغرافية من العالم الآن، يمكن التأريخ لظاهرة نشأة الدولة بالمعنى الحديث، إذاً فالتساؤل الذي يجب طرحه هو:


متى نشأت ( الدولة المركزية ) في مصر؟


يمكن لنا التوقف عند محطات عدة في التاريخ المصري التي شهدت طفرة تنظيمية ما، ترتبط بشكل أو بآخر بإنشاء سلطة مركزية تدير دفة الأمور عبر القُطر المصري، منذ زمن الفراعنة المصريين، مروراً بالفتح الإسلامي لمصر، ومروراً بعصور العباسيين والفاطميين والمماليك في مصر، ثم الدولة العثمانية وأبرزها حُكم محمد علي، وليس انتهاءً بحركة الضباط الأحرار في يوليو 1952. إلا أن التحديد الدقيق لزمن نشأة الدولة المصرية يقتضي أولا تحديد دقيق لمفهوم الدولة والمنظور الذي نتبناه في تلك الدراسة لذلك المفهوم.

تتبنى تلك الدراسة النظر إلى " الدولة بمفهومها القانوني، القائم على مبدأ السيادة وعلى فكرة المواطنة بما تفترضه من مساواة بين أفراد الوطن في مجالات من قبيل جمع الضرائب وفرض التجنيد وتوفير الفرص، فتعود بجذورها إلى عصر محمد علي (باني الدولة الحديثة في مصر). أنشأ محمد علي رموز الدولة القانونية الحديثة ومنظماتها، كالمجالس والوزارات والبيروقراطية ونظم التجنيد ونظم التعليم الموحدة "(1) ارتبطت ظاهرة المركزية بالدولة المصرية منذ نشأتها، ويعود ذلك للإرث التاريخي لوظائف الدولة المصرية المتعلقة بالزراعة وعملية تنظيم الري والتحكم في مصادر المياه.

إن الطبيعة الزراعية للأراضي المصرية عملت في صالح السُلطة الحاكمة المصرية، التي تولت شئون وتنظيم الموارد المائية وأمور الزراعة المختلفة على جميع الأراضي، وسمحت لها فيما بعد بالتوسع على ذلك النطاق. " وبقدر ما يكون نفوذ الحكومة المركزية على إدارة الزراعة يكون نفوذها على الأهالي. هذا المدخل (البيئي) لفهم جذور ظاهرة الدولة في مصر أحياه مرة أخرى، بعد منتصف القرن العشرين، المؤرخ الجغرافي جمال حمدان، شارحاً جذور الظاهرة النهرية وانعكاساتها السياسية منذ الحقبة الفرعونية. فالدولة قد امتلكت الأرض في معظم مراحل التاريخ المصري. "(2)
  أضف إلى ذلك أيضاً، وتزامناً مع توطيد سلطة محمد علي في الحكم، الصراع الذي دار بينه و بين المماليك في مصر، الذين كانوا يمثلون الحكام الفعليين للأقاليم المختلفة، والذي انتهى كما نعلم بمذبحة القلعة، التي أعلنت انتصار السلطة المركزية في مصر متمثلة في حُكم الباشا. يمثل ذلك الصراع في رمزيته توطيد للحكم المركزي في مصر.

انعكست الطبيعة المركزية للسُلطة في مصر على إدارة كافة أوجه النشاط والخدمات، ليس فقط إدارة النشاط الزراعي، بل امتدت لتشمل كافة الجوانب تقريبا وكانت أبرزها خدمة التعليم. فقد كان " محور علاقة الارتباط التاريخية بين التعليم من ناحية وبين السياسة من ناحية أخرى هو ( سيطرة الحكومة ) شبه الكاملة في معظم المراحل التاريخية على كل ما يتصل بالدراسة والتعليم والفنون والحرف والصناعات "(3)  قامت أحلام محمد علي، مؤسس مصر الحديثة، ومشاريعه التوسعية على ركيزتين أساسيتين: جيش قوي، ودولة مركزية (بيروقراطية). وكما ذكرنا فإن "مذبحة القلعة" كانت خطوة هامة على طريق توطيد السُلطة المركزية في يد الباشا، ويمكن تتبع سياسات محمد علي وتحليلها لنرى كيف خدمت مشروعه التوسعي.

كيف ارتبط التعليم بالدولة المركزية؟


" يُقدم عصر محمد علي صورة واضحة لارتباط التعليم والتكنيك بالدولة والتوظف العام ".(4)

إن مشروع محمد علي التوسعي قد حكم وشكّل الرؤية العامة التي انطلق من خلالها الباشا في رسم سياساته كافة، بما فيها السياسة التعليمية. فمنذ البداية قد أدرك محمد علي أنه لن يستطيع تحقيق نهضة حقيقية في مصر بدون مساعدة الغرب. في بادئ الأمر، لجأ إلى الاستعانة بخبراء أجنبيين استقدمهم إلى مصر من أجل العمل على تطوير المجالات الصناعية المختلفة. إلا أنه سرعان ما اكتشف قلة فعالية تلك الوسيلة، لأسباب تتعلق بالمرتبات الباهظة التي يتقاضاها هؤلاء الخبراء الأجانب، بالإضافة لصعوبات في التواصل ناتجة عن عدم تحدثهم اللغة العربية واحتياجه لوسطاء مترجمين الأمر الذي زاد عليه من الأعباء المالية. ومن ثم فقد كانت الوسيلة التالية التي لجأ لها محمد علي هي ابتعاث طلاب مصريين للتعلم في تلك الدول الغربية، وعند عودتهم سينقلون تلك المعرفة إلى مصر، وينشرونها بين عدد أكبر من المصريين. أرسل محمد علي البعثات التعليمية ابتداءً من عام 1813 إلى أوروبا، وتحديدًا إلى إيطاليا في بادئ الأمر، وكان هدفها الواضح هو تدريب المُبتعثين المصريين على الفنون الصناعية المختلفة المتقدمة في أوروبا، بالإضافة إلى فنون الحرب. على أن يخدم هؤلاء الأفراد عند عودتهم في بناء قاعدة صناعية وحربية متطورة في مصر.
 
وقد تحقق لمحمد علي ذلك لاحقا بالفعل، وجنى ثمار سياساته التي بدأها في بداية حكمه. " كان محمد علي قد وجد حينئذ في سنة 1836م من الرجال من يستطيع أن يعتمد عليهم: وجدهم بين أعضاء بعثاته المصريين أو المتمصرين الذين كان قد أوفدهم إلى أوروبا، وإذا كان قد استدعى الأجانب فأشرفوا على المؤسسات العلمية التي أنشأها وقاموا على إدارتها، إلا أنه رأى ــ ود أصبح لديه نخبة من أهل البلاد المتعلمين علوم الغرب والحاذقين لغاته ــ أنه يحسن أن يقوم التعاون بين هاتين الطائفتين: الأساتذة الأجانب، والمصريين أو المتمصرين الذين أتموا دراستهم في أوروبا، لوضع التعليم في البلاد في وضعه الصحيح: بإلغاء الفاسد من المدارس المكاتب، وتنظيم المعوج منها" (4)

سنقوم بالتركيز الآن على سياسة البعثات العلمية الخارجية التي انتهجها محمد علي قبل تأسيس المدارس والكليات الرسمية في مصر. وسنقوم بالتطبيق عليها من خلال مُقاربة مفهومي: مركزية الدولة في سياساتها التعليمية، والمقصد من وراء تلك السياسة. فقد " اهتم -محمد علي- برسم سياسة لبعثات الدارسين إلى فرنسا وإيطاليا وإنجلترا وعددًا آخر من البلاد الأوروبية، وقد كانت هذه التدابير محكومة باعتبارات التشغيل والتوظيف وما تفرضه من نواحٍ انتاجية وعملية... إن من بين الأربعة والأربعين طالبًا الذين ذهبوا إلى أوروبا سنة 1826م، عُرفَ تخصصات أربعين منهم وكانت جميعها ذات طبيعة علمية - تكنيكية أو عسكرية - تكنيكية. وذلك باستثناء خمسة طلاب درسوا الإدارة المدنية وطالب درس الترجمة وطالبان درسا الدبلوماسية، والطبيعة العملية لكل هذه الدراسات غنية عن التوضيح " (5)  يُمكن استخراج عدة نقاط هامة للغاية من الاقتباس السابق لدراسة الدكتور نزيه الأيوبي، وهو ما سيلي توضيحه.

أولاً، وهو أن الباشا لم يقم فقط برسم السياسة العامة للتعليم أو للخطوط العريضة في التعليم، بل إنه تدخل بنفسه لتحديد التفاصيل الدقيقة في تنفيذ عملية ابتعاث الطلاب إلى أوروبا وتحديد تخصصاتهم والهدف من دراستهم بتلك الدول على وجه التحديد. لم يقف الأمر عند مجرد تنفيذ تلك الخطة التعليمية، بل تعدى ذلك إلى متابعة الباشا بنفسه للطلاب المبتعثين ومراسلتهم من أجل متابعة أحوالهم أثناء الدراسة بالخارج. وهو الأمر الذي يعطينا مؤشر بالغ الوضوح على مركزية التخطيط للسياسة التعليمية في مصر في عهد محمد علي.

بالانتقال لفترة تاريخية مختلفة، وبعد أن رحل محمد علي عن الحُكم، شهدت مصر تراجعاً على كافة المستويات التنموية في عهد كل من عباس حلمي الأول وسعيد باشا، الذين خلفوا محمد علي في الحكم. إلا أن وصول الخديوي إسماعيل إلى الحكم شهد معه نقلة نوعية أخرى في المشاريع التي بدأها جده الباشا -محمد علي-. في التقرير الذي صدر في عهد حكم الخديوي اسماعيل (1863-1879) والذي عُرف باسم (قومسيون التعليم)، وهو " مشروع قانون تنظيم المدارس الابتدائية والمدارس التجهيزية بالأقاليم، أصبح واضحًا فيه تطور النظرة إلى التعليم باعتباره مشروعًا قوميًا... نورد هذا النص من اللائحة: تنشأ في القاهرة وعواصم المديريات والمحافظات والمراكز وجميع مدن الأقاليم مدارس ابتدائية من الدرجة الأولى باعتبار مدرسة واحدة لكل عشرة آلاف من السكان، فإذا بقي بعد ذلك حمسة آلاف نسمة تنشأ لهم مدرسة أخرى، وكل قرية يتراوح عدد سكانها بين الألفين وخمسة آلاف نفس تنشأ بها مدرسة ابتدائية من الدرجة الثالثة، أما القرى الصغيرة التي يقل سكان كل منها عن هذا العدد تتجمع وتنشأ لها مدرسة ابتدائية من الدرجة الثالثة، وتتحمل كل محافظة أو مديرية نفقات بناء المدارس التي تنشأ بها وتأثيثها وصيانتها وجميع النفقات التي يتطلبها دفع مرتبات موظفيها على اختلاف رتبهم وأثمان الادوات الدراسية وغيرها، وسنفرض لهذا الغرض في المديريات ضريبة قانونية " (6)

يمكن من النص السابق ملاحظة تطور السياسة التعليمية للسلطة الحاكمة في عهد الخديوي إسماعيل عنها في عهد حُكم محمد علي، وكيف أنها اتخذت طابعًا تخطيطيًا وتنظيميًا وإداريًا أكثر شمولاً وتطوراً. فلائحة التقرير تتحدث عن أمور مثل تقسيم إنشاء المدارس في المديريات والقرى المختلفة، ونسبة السكان إلى عدد المدارس التي يحتاجونها، بالإضافة لأبعاد تشمل الجوانب المالية في العملية التعليمية وكيفية توفير التمويل اللازم ومصارفه. إلا أن الأمر الأكثر أهمية، هو نمو التوجه المركزي في التخطيط للسياسة التعليمية أكثر من ذي قبل، وتكونه ضمن إطار الهدف القومي للدولة وكيفية خدمته.

ثانياً، جائت سياسات محمد علي التعليمية لتخدم أهدافه ومشروعاته التوسعية، من حيث أن التخصصات التي ابتُعث عليها الطلاب ليتعلموها كانت تخصصات علمية أو عسكرية كما يذكر الدكتور نزيه الأيوبي بالتفصيل، موضحاً بالإحصائيات المجردة توزيع الطلاب على التخصصات العلمية المختلفة والعسكرية. وهو أمر يُمكن فهمه بالرجوع لهدف محمد علي من تلك الخطوة، حيث أنه لم يبتغ تطوير المجتمع بشكله الأوسع أو إحداث طفرات علمية بالمجتمع وتنمية الإنسان المصري، إنما كان غرضه واضحاً، بناء جيش قوي ودولة مركزية قوية (بيروقراطية). " ومن هنا كان اهتمام محمد علي الشديد بموضوع التعليم، فهو اهتمام عملي مدفوع في الأساس بالاعتبارات التنظيمية والإدارية التي فرضت عليه تخريج مجموعة متدربة من الأفراد الفنيين ".(7) وتلك نقطة غاية في الأهمية عند الحديث عن ( مقصد التعليم )، أو الهدف من وراء وضع واتباع سياسة تعليمية محددة، وهو أمر تقوم الدراسة بتتبعه وتطوره عبر الأزمنة المختلفة والسُلطات الحاكمة المختلفة لمصر. إذاً، فقد كان القصد من وراء سياسات محمد علي التعليمية مقصد عملي بحت.

ثالثاً، فمن الناحية التنظيمية، نجد أن السياسة العاجلة التي اتبعها محمد علي بابتعاث الطلاب لأوروبا للتدريب ونقل العلم والمعرفة إلى مصر من أجل بناء قاعدة صناعية وعسكرية قوية، ترتب عليها أن قام الباشا بإنشاء مؤسسات تعليمية تجهيزية. فبعد أن اعتمد الباشا في بعثاته الأولية على طلاب الأزهر بشكل رئيسي، وجد أن " طلاب تلك المدارس العالية في حاجة إلى إعداد خاص فأنشأ المدارس التجهيزية وأعقبها إنشاء المدارس الابتدائية. وهكذا نجد أن نظام التعليم في عهد محمد علي قد سار سيراً عكسيًا من المراحل العليا إلى المراحل الابتدائية " (8)  وهي ملحوظة في غاية الأهمية، فإنشاء المدارس وتجهيز البنية التحتية للنظام التعليمي الرسمي في عهد محمد علي لم ينشأ ضمن إطار خطة شاملة لتنمية المجتمع، إنما جاء خدمة لتلبية الهدف الذي وضعه الباشا نُصب عينيه كما ذكرنا.

لا يُمكننا أيضاً المرور بفترة حكم محمد علي ومقاربة سياساته التعليمية من منظور مركزية الدولة، بدون أن نعرج على قضية التعداد والتوزيع الجغرافي للمدارس في مصر آنذاك. فنجد أنه في " عام 1836م صدرت لوائح لتنظيم التعليم منها لائحة التعليم الابتدائي، ونصّت على أن يقتصر إنشاء المكاتب الابتدائية على المدن والبنادر دون القرى. هل يكفي خمسة وأربعون مكتباً نصّت اللائحة على إنشائها بالأقاليم ــ لنشر التعليم ــ بين أهالي القُطر المصري جميعا؟ (بعد أن كان عدد تلك المكاتب ستين مكتبا قضت اللائحة بغلق نحو خمسة وعشرين منها والاكتفاء بالعدد المذكور. ) إذا كان الجواب بالنفي، وهو قطعاً كذلك، فلنا أن نسأل سؤالاً آخر : هل تُعِد هذه الخمسة والأربعون مكتباً، عدا مكاتب القاهرة والإسكندرية، تلامذتها كلهم لمدرستين تجهيزيتين اثنتين فقط : إحداهما بالقاهرة والأخرى بالإسكندرية ؟ "(9)

يتضح لنا من تساؤل الدكتور أحمد عزت عبدالكريم مدى تعجبه من المنطق الذي تبنته لائحة عام 1836م في توزيع المكاتب الابتدائية وتعدادها، وتعداد المدارس التجهيزية (ما بعد الابتدائية). فقد وُجد حينها في مصر مدرستين تجهيزيتين فقط، واحدة بالقاهرة والأخرى بالاسكندرية، وتستقبل تلك المدرستان الطلاب من خمسة وأربعين مدرسة ابتدائية من جميع أنحاء القُطر المصري. والغريب في الأمر أيضاً هو توجه لائحة عام 1836م إلى تخفيض أعداد المكاتب الابتدائية من بضع وستين إلى خمسة وأربعين مكتب فقط!

قبل أن نترك عهد محمد علي وخلفاؤه، يجب التأكيد على أن السياسات التي اتبعها محمد علي فيما يخص العملية التعليمية، بالرغم من فشلها بعد رحيله عن الحكم نظرًا لارتباطها بمشروعه العسكري والاقتصادي كما ذكرنا والذي باء بالفشل بعد أن انقلبت عليه القوى الأوروبية وتم تحجيمه عبر معاهدة لندن 1840، بالرغم من ذلك إلا أن تلك السياسات كانت النواة الأولى لتأسيس ما يُعرف بـ( التعليم الرسمي )، وهو التعليم التابع لهيمنة الدولة كما تم تعريفه سابقًا في المفاهيم الأساسية لتلك الدراسة. وبالرغم من فشل سياسات محمد علي التعليمية، إلا أن ذلك لم يحل دون صبغ تلك السياسات بالصبغة التي تسم جميع نظم التعليم الرسمي في الدول الحديثة المختلفة.

" فقد كانت الروح العسكرية تسيطر على التعليم في عهد محمد علي من حيث النظم والنظر إلى التلاميذ ولوائح النظام والضبط والربط، حتى لقد عده البعض لونًا من ألوان الخدمة العسكرية والتجنيد الإجباري " (10) وهي الملاحظة التي يؤكد عليها أيضا الدكتور أحمد عزت عبدالكريم، ويحكي عن الإدراك الجمعي للمصريين في عهد محمد علي وكيف نظروا للمدارس الرسمية جديدة النشأة تلك على أنها طور من أطوار التجنيد الإجباري والعسكرية. يقول: " الواقع أن محمد علي كان يلقى من المصريين في أول عهدهم بالمدارس إعراضاً، ذلك لأن فكرة "التعليم" اختلطت في أذهانهم بالجندية، إذ كانوا يرون عمّال الحكومة يجمعون أطفالهم، كما يجمعون شبّانهم سواء بسواء، ويذهبون بهم إلى حيث لا يعودون إلا بعد وقت طويل، ثم هم يرون المدارس يحرسها الجند، وأبناءهم يحيون فيها حياة أقرب إلى حياة الجندية، وقد ينتهي عهدهم بالمدارس إلى الانخراط فعلا في سلك الجيش: إما جنوداً او ضباطاً. والجندية في أذهان المصريين تمثل إذ ذاك البُعد عن الأهل والديار بُعداً قد يمتد مدى الحياة، كما تُمثل الحياة الشاقة المُضنية في بلاد لا يعلمون عنها شيئاً، وإن جسّمها لهم خيالهم. ليس غريباً إذن أن يمتنع الأهلون عن إرسال أبنائهم إلى مدارس الحكومة، فإذا عدموا الوسائل يعرقلون بها سياسة الحكومة عمِد البعض منهم إلى أبنائهم فبتروا أصابعهم أو سملوا عيونهم حتى لا يكون للحكومة عليهم سُلطان "(11)

ومن الجدير بالذكر هنا أيضًا التأكيد على أشكال التعلُم المختلفة التي وُجدت قبل محاولات حُكم محمد علي، حيث جاءت سياساته في إنشاء تعليم رسمي حديث " بخلاف التعليم التقليدي الأهلي في الكتاتيب والأزهر، والذي أدار محمد علي لهم ظهره فظلوا على حالهم في المناهج وطرق التدريس والإجازات ونُظُم التعليم التي ألِفوها منذ قرون ".(11)

 

المراجع المستخدمة

  1. نزيه نصيف الأيوبي، الدولة المركزية في مصر، الطبعة الأولى، مركز دراسات الوحدة العربية، 1989م. ص 99.
  2. المرجع السابق، ص 13
  3. المرجع السابق،ص 23
  4. نزيه نصيف الأيوبي، سياسة التعليم في مصر: دراسة سياسية وإدارية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، مايو 1978م. ص28.
  5. المرجع السابق، ص31
  6. أحمد عزت عبدالكريم، تاريخ التعليم في مصر عصر محمد علي، الهيئة العامة لقصور الثقافة، طبعة 2011م، ص 44.
  7. نزيه الأيوبي، سياسة التعليم في مصر، مرجع سابق، ص32.
  8. يعقوب أرتين، القول التام في التعليم العام، طبعة 2010، المركز القومي للترجمة، تقديم: كمال مُغيث. ص 9-10.
  9. نزيه نصيف الأيوبي، سياسة التعليم في مصر، مرجع سابق، ص32
  10. يعقوب أرتين، مرجع سابق، ص3.
  11.  أحمد عزت عبدالكريم، مرجع سابق، ص 41.

المقال القادم

هل من تعليم بديل؟ (2) -  التعليم فى زمن الضباط


تعليقات