انشاء حساب



تسجيل الدخول



كتب بواسطة: سامح خليل
04 نوفمبر 2014
2290

 

القاهرة – فى مصر، تنهال موجة من التعليقات والمقالات التى تنشر ردا على خطابات تبناها الكونجرس الأمريكي مؤخرا، وكذلك بعض إفتتاحيات الصحف الأمريكية، تنتقد الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" وتطالب بتقليص أو إنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية كسبيل لعقاب إدارة السيسي. وكمصري- أمريكي وشخص منغمس فى ثقافة البلدين، أعتقد أن مثل هذا الإجراء سيمثل نقطة تحول فى العلاقات الأمريكية المصرية وسيكون له تداعيات خطيرة على مستقبل الشرق الأوسط.

منذ أسابيع مضت، التقيت مع الرئيس السيسي والرئيس السابق عدلى منصور، إلى جانب عدد من كبار المسئولين بينهم رئيس الوزراء إبراهيم محلب. كما حظيت بفرصة التحدث لمجموعة من طلاب الجامعات والتقيت بمجموعات بارزة من الإعلامييين المستقلين وهؤلاء العاملين بالوسائل الحكومية، وكان أيضا من بين هذه اللقاءات مقابلة تليفزيونية شاهدها الملايين. وخلال أسبوعين من المناقشات المكثفة، تمكنت من فهم أسس التغيير المحتمل فى العلاقة ولماذا يؤيد غالبية المصريين الرئيس السيسي.

فى الفترة التى أعقبت الثورة المصرية عام 1952، وهى فترة دراستى المدرسية فى مصر، سعى وزير الخارجية الأمريكي أنذاك "جون فوستر دالاس" لمعاقبة الرئيس جمال عبد الناصر وقررت الولايات المتحدة ألا تقوم بدعم بناء السد العالى فى أسوان، بما يتضمنه من إنتاج متوقع للطاقة الكهرومائية التى كانت بالغة الأهمية بالنسبة للصناعة فى مصر.

النتيجة كانت أن البوصلة السياسية لمصر توجهت من الغرب الى الشرق، وبات للإتحاد السوفيتى نفوذ كبير فى الشرق الأوسط لعقود تلت. وفي عام 1973عكس الرئيس السادات إتجاه البوصلة مرة أخرى وشهد الشرق الأوسط لأربعين عاما سلاما بين إسرائيل ومصر التى تملك أكبر جيش عربي.

 المناخ السياسي الحالى فى القاهرة يشبه كثيرا المناخ الذى ساد إبان عهد الرئيس عبد الناصر، وفى الواقع فإن تشبيها يعقد بين شعبية الرئيس عبد الناصر وشعبية الرئيس السيسي.

اليوم، تحتاج الولايات المتحدة الى الشراكة مع مصر أكثر من أى وقت مضى. فإلى جانب السلام بين مصر وإسرائيل، والذى هو أساسي بالنسبة للمصالح الأمريكية فى السياسة الداخلية وكذلك فى منطقة الشرق الأوسط، فإن الولايات المتحدة كانت وستظل فى حاجة الى تعاون مصر فى الحرب على الارهاب. فالولايات المتحدة لديها كامل الحرية فى المرور عبر قناة السويس ، كما أن التدريبات العسكرية المشتركة مع الجيش المصري والجارية بالفعل تعد ضرورية لتلك الحرب ، وكذلك من أجل المرور السهل للنفط.  وقبل أيام قليلة ضرب الإرهاب منطقة شمال سيناء فقتل مايزيد عن ثلاثين شخصا وأصاب العشرات من رجال القوات المسلحة والمدنيين الأبرياء ولذلك يجب صد تنظيم داعش فى منطقة شرق مصر من الدخول الى سيناء وإمكانية إستحواذهم على حقول النفط فى العراق والسعودية.

ومع معرفتهم بهذه الحقائق، فإن المصريين يرفضون المناورات السياسية التى غالبا ما ترافق حزمة المساعدات لمصر والتى تقدر بـ1,3 مليار دولار. بل إن المساعدات التى تتلقاها مصر من الدول الخليجية تزيد فى قيمتها بنحو عشر أضعاف عن تلك التى ترسلها الولايات المتحدة. وفى عالم اليوم  المتصل والمترابط، فإن سوق المعدات العسكرية وكذلك التنوع فى تلك المعدات قد يغيّر من العلاقة الخاصة بين مصر والولايات المتحدة.

ومع نمو التطرف فى المنطقة وتجربة حكم الإخوان المسلمين، فقد باتت لدى أغلب المصريين مخاوف من عودة الإخوان للحكم، وفى هذا الإطار فهم ينظرون الى الرئيس السيسي كـ"مخلَّص". فعندما إنتخب الدكتور محمدمرسي، كان لدى كثيرين، وبينهم شخصي، آمالا بأنه قد يصبح رئيسا ديمقراطيا لكل المصريين وليس فقط لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين. لكن للأسف، فإن الدكتور مرسي كان يحكم بالوكالة عن جماعة الإخوان المسلمين وقد دفع ذلك البلاد الى شفا حرب أهلية. خرج الملايين الى الشوارع فى 30 يونيو 2013. في ثورة شعبية ، وبعد عزل  الدكتور مرسي، صاغت مجموعة من الليبراليين المدنيين والقادة الدينيين والعسكريين بقيادة الفريق أول عبدالفتاح السيسي خارطة طريق جديدة للتغيير تتضمن إنتخابات رئاسية ، وبرلمانا جديدا، وكتابة لدستور جديد.

في لقائي مع السيد رئيس المحكمة الدستورية العليا والرئيس السابق عدلى منصور قال لي إن الفريق أول عبدالفتاح السيسي لم يرد هذا المنصب ، وأضاف " فى النهاية قرر خوض السباق الرئاسي لأن الناس أرادوه "وقد أخبرته ان الأمر كان مقدرا له". إذا كانت الانتخابات قد تم تزويرها، كما إدعى بعض الساسة والإعلاميين فلماذا ظل المصريون يدعموه ويؤيدوه حتى بعد الانتخابات؟

فبعد وقت قليل من إنتخابه، أعلنت إدارة الرئيس السيسي خفض الدعم عن الغاز الطبيعي والوقود وإستهلاك الطاقة وخفضت الدعم للخبز وسلع أخرى. وقد كان هذا الإجراء بمثابة أمرا محرما إبان عهدى الرئيسان مبارك والسادات لفترة إمتدت نحو نصف قرن، لكن الرئيس السيسي تمكن من إقناع الشعب بإجراءاته.

وفى دعوة أخرى عقب الإنتخابات، أعلن الرئيس عن إطلاق مشروع قومى هو- قناة السويس الجديدة – لمجرى مائى يوازى المجرى القديم الذى تم حفره عام 1869، ودعا المصريين للمشاركة عبر الاستثمار فى المشروع. وخلال ثمانية أيام جمع البنك المركزى المصري مبلغ 61 مليار جنيه (نحو 8,5 مليار دولار) عبر بيع شهادات الاستثمار. وقد زرت أحد البنوك خلال تلك الأيام ورأيت صفوف الأشخاص تمتد لشوارع كاملة حول البنك، انتظارا لدورهم فى شراء الشهادات، وقد بقى البنك فاتحا أبوابه حتى وقت متأخر، نظرا لحجم الاقبال الكثيف.

حقيقي ان مصر شهدت عقبات عديدة، فى الحكم والبنية التحتية، وفى مسعاها نحو الديمقراطية منذ ثورة عام 2011. وأفرط بعض الإعلاميين فى التركيز على المشير السيسي إبان ترشحه لإنتخابات الرئاسة. والى جانب ذلك فإنه  بقيت هناك قضايا بينها حكم القانون بالنسبة للجمعيات الأهلية، قضية المسجونين السياسيين  المحتجزين قيد المحاكمة، وكذلك إيجاد طريقة لإدماج جماعة الإخوان المسلمين فى النسيج السياسي لمصر.

ولكن فى هذا الوقت الهام، يجب على الولايات المتحدة  أن تساعد مصر عبر حوار وشراكة مباشرة، مستخدمة قوتها الناعمة، ممثلة في فتح أسواقها، اتفاقية تجارة حرة مع مصر وتقديم مساعدات حقيقية لإنشاء مؤسسات تعليمية وديمقراطية جديدة.

لقد أثبت ما يسمى بـ"الربيع العربي" أن نهاية أنظمة مثل نظام مبارك لا تعنى بداية فورية للديمقراطية. بالرغم من هذا، فأنا على ثقة بأن مصر لن تعود لنظام حكم شمولى مرة أخرى، وأنها مع الوقت ستحقق أهدافها الديمقراطية.

إن مصر تواجه مشاكل ضخمة. فإلى جانب قضية الأمن من الناحية الشرقية (مع وجود داعش)، فإن الناحية الغربية (ليبيا) والجنوبية (اليمن)، وحالة عدم الإستقرار بهما ، كما يوجد قلق حقيقى من قضايا اقتصادية معقدة وأيضا مسألة البطالة. لكن خلال المائة يوم الأولى من حكمه، تمكن الرئيس السيسي من تجميع غالبية المصريين حوله، وإتخذ إجراءات حقيقية لإصلاح الاقتصاد الذى يعانى لعقود، وقد أعطى الأمل للبلاد عبر اطلاق مشروعات قومية كبيرة مثل قناة السويس الجديدة ومدينة مصر للعلوم والتكنولوجيا. كما أنه أول رئيس ينشئ مجلسا إستشاريا من العلماء والمهندسين لإيجاد حلول غير تقليدية للمشكلات التى تتعلق بالتعليم والصحة والطاقة ومسائل أخرى. وقد كتبت مجلة "الايكونوميست" عنه "أنه حقق تقدما على الصعيدين الاقتصادى والدبلوماسي كما أعطى الأمل للمصريين المنهكين من الاضطراب السياسي".

إن تهديد مصر بقطع المساعدات ليس من مصلحة العلاقات الأمريكية المصرية. فالقضية لم تعد قضية الرئيس السيسي وحده، بل على العكس، باتت القضية مع "الشعب" نحن الذى يقرر بشأن مستقبل علاقاته ليس فقط مع الولايات المتحدة بل أيضا مع إسرائيل.


رابط مختصر: http://www.shafaff.com/article/737
تعليقات