انشاء حساب



تسجيل الدخول



06 يوليو 2015
1495

أحمد البحيري

مقال لـ أحمد البحيري

 

ومع كل صباح، تعانق الشمس وجهه مظهرةً نقوشًا قد طبعها الزمان على جبهته؛ لاتدرى إن كان هذا من فرط العشق - ومن العشق ماقتل - أم أنه قدر يُسيّر ما قد تبقى من رحلته في الحياة الدنيا .


أوقاته لاتحلو إلا بابتسامةٍ متبادلة مع قرينته، وبانحناءة ظهرٍ واضحة يتشارك الاثنان إصباغ جلودهما بصنيع دنياهم بهم، فلا نعومة تتجلى فى أيديهم.. ولا كحل يترسّم على أجفانهم ..حتى قدميه؛ لازمته وقاسمته نصيبه من جلد الذات وضعف الزاد ..


كعوبٌ مشققة ..يابسةٌ يائسة.. تلك ما تتزين به أواخر عظام المواطن مصرى


شقاؤه كما البصمة.. يلازمه طيلة حياته.. زواج أبدي يسري كما الدم حتى الممات

.
لم يأت عليه حينٌ من الدهر وكان رافعاً لراية استسلامه وإتمام معاهدة صلح مع لهيب شمسه.. صديقته اللدودة.. فما طال العمر أو قصر إلا ولازمته مجلساً ورقيباً .
 

يومه كادح.. ولحظات هنائه كما الممنوع المرغوب.


ذلك الرجل هو ملح الأرض فى بلاد اللوتس؛ صاحبة طلات البهاء المتكاثرة فى مجتمعها.. ومجتمع آخر يطيح بقواعد الراحة الأربعين معلناً نحر السعادة وتنصيب الشقاء حاكماً أعلى عليهم، فلايصح أن تختلس لحظات هدوء وراحة تفتقر إليهم عظام قد أنهكتها مسيرة نحت الجبال ولعق الصخور.


بسَمَار وجه يأتى على حيويته.. يشق طريقه كل صباح.. لعله يجد من يمنحه مباركة نزال هذا اليوم العصيب والإجهاز عليه، والعودة مجدداً في المساء إلى بيت يأويه.. قد انهكه سؤال الجوع .


في كل صباح.. تعلن الشمس حضورها.. يسبقها هو بالرحيل إلى طرقاتٍ تزخر بآخرين يبتغون جميعاً لحظة أن ينادى عليهم أحدهم، فائزين فى نهاية المطاف بقوت هذا اليوم .
ويأبى جميعهم الاستسلام، فجد ابتسامتهم تداعب ثغرهم.. ربما تصنعاً، ففي بعض الأحيان يتوجب عليه ذلك حتى يستطيع متابعة مسيرة كفاحه والفوز برغيف خبز.. وإن كان يابساً .
وربما كانت همًا ومداواة لجروح زمن قد أتى عليه، ولم يسعه حينها سوى إضاءة شمعته المتواضعة مردداً بعضاً من تواشيح داعى الفجر .
أو أن تكون صنيعة رب العباد وهبها إليهم مخففاً عنهم حمولة قد كسرت ظهورهم، وسعادة يرونها كما الملح الأجاج فى حلقهم.. لا يقدرون عليها .
بصمة يتوارثونها فيما بينهم..
أجدادٌ فأبناء فأحفاد..
شقاءٌ فشقاء فتراب تُغطَى به أجسادهم فى قبورهم..
يلاقونه.. ولا راحةٌ تذكر فى سجل دنياهم .


رجاءاً ..
لا تحدثوهم عن أساليب التحول الديمقراطي وحكومات التكنوقراط والمسارات المتوازية الملتوية والمستوية على إطارات عجلة الانتاج المتبقية عن طريق الرأسمالية ومناظير الاشتراكية فى بيوت فوزية البرجوازية ..


رجاءاً ..
اصمتو قليلًا ..
والآن.. حرّكوا جنباتكم الممتلئة في طريقهم .
أعطوهم حقهم فى الخبز والحياة.. ولا تطالبوهم بعدها بالتبرع بالدم .
وفرو لهم ملبساً يستر كرامتهم ولحم عظامهم المتهالكة.
الآن، اتركوهم، واذهبو بعيداً عنهم.. بعيداً.. أكثر.. فأكثر .
أحسنتم !


والآن..
فليضرب كلٌ منكم نفسه بالرصاص بذنب هؤلاء، ولا تحدثوني مجدداً عن خططكم التنموية المستقبلية .


تعليقات