انشاء حساب



تسجيل الدخول



على الرغم من إنجازات أينشتاين المبهرة.. فإن الخطابات تكشف عن جانب درامي آخر من حياته

حياة ألبرت أينشتاين الأسرية شهدت الكثير من التقلبات
01 فبراير 2017
2818

الخطابات كما نشرها موقع مؤسسة Shapell الإسرائيلية لحفظ الوثائق اليهودية الأمريكية، ضمن مجموعة خطابات أينشتاين الأسرية، التي تضم 16 خطابًا، انتقينا 6 فقط منها.

 

على الرغم من روعة حياة ألبرت أينشتاين العلمية والمهنية، وعلى الرغم من أنه وصل باكتشافاته إلى أن يكون من أبرز علماء البشرية، وأن يكون أيقونة للعبقرية حول العالم، فإن حياته الأخرى المتمثلة في حياته الأسرية لم تكن على مستوى النجاح نفسه على الإطلاق.

 

وتكشف الخطابات التالية جانبًا من التقلبات الدرامية التي عاشها في حياته الأسرية، ولكن قبل أن نصل إليها، دعنا نلقي نظرة سريعة عن خلفيات حياة أينشتاين الأسرية، لكي يتضح لدينا السياق الذي كتب فيه هذه الخطابات.

 

خلفيات حياة أينشتاين الأسرية

   

أينشتاين مع زوجه الأولى ميليفا (على اليسار) وزوجه الثانية إلزا (على اليمين)

 

فقد تزوج أينشتاين لأول مرة، عام 1903، وهو ابن 24 عامًا، من فتاة صربية تكبره بـ 4 أعوام تدعى ماريفا ماريتش، وكانت هي الفتاة الوحيدة التي تدرس الرياضيات والفيزياء بمؤسسة بوليتكنيك السويسرية الفيدرالية في مدينة زيورخ السويسرية (أو المؤسسة السويسرية الفيدرالية للتكنولوجيا كما تعرف الآن)، حيث كان يدرس أينشتاين أيضًا منذ عمر 17 عامًا، ففي هذه الجامعة، وباهتمام مشترك في الفيزياء، تطورت العلاقة بينهما لأعوام إلى أن أدت للزواج.

 

ولكن زواج أينشتاين الأول لم يكن هو حبه الأول، فقد كان له حب في الأعوام الأخيرة من مراهقته، وهو الحب الذي بقي في وجدان أينشتاين حتى بعد أعوام من زواجه من ميليفا على ما يبدو، ولكن هذا الحب لم يكتمل أبدًا.

 

وبعد زواج أينشتاين بعام، رُزِق بولده الأول وأسماه هانز ألبرت، لكنه أيضًا لم يكن طفله الأول، فقد كانت ميليفا قد أنجبت له فتاة اسمها ليزرل قبل زواجهما بعام، ووضعتها في موطنها في صربيا، ولا يعرف المؤرخون حتى الآن إن كانت هذه الطفلة قد ماتت مبكرًا أم أن أمها قد سلمتها للتبني في أحضان عائلة أخرى، ولكن أمها لم تعد بها إلى سويسرا على أية حال، ولم يرها أبوها أينشتاين.

 

وكان له أيضًا ابنًا ثانيًا اسمه إدوارد، وكان أبوه يدعوه تيتي، بمعنى "صغيري"، وُلِد عام 1910، وفي العام نفسه انتقلت الأسرة إلى برلين الألمانية، ولكن الخلافات كانت قد بدأت بين أينشتاين وميليفا من قبلها، فما كانت إلا أشهر قبل أن تتركه وتعود، ومعها هانز وإدوارد، إلى زيورخ، ليبقى أينشتاين من حينها بعيدًا عن ولديه، ولم يرهما إلا في لقاءات قصيرة قليلة بعدها.

 

فقد بدأ أينشتاين في علاقة مع ابنة خالته إلزا لوفنتال، مما أدى إلى انفصاله عن زوجته الأولى ميليفا عام 1914، ثم طلاقهما عام 1919، وفي العام نفسه، تزوج من إلزا.

 

وعلى الرغم من أن أن زواجه الثاني كان مستقرًّا نسبيًّا، فإن أينشتاين، كما تظهر الخطابات، بقي منشغلًا بولديه من زواجه الأول، فبجانب خطاباته، كان يرسل لهما نفقات رعاية باستمرار، كما أنه دفع ما حصل عليه من جائزة نوبل عام 1922 لميليفا، وهو ما كانا قد اتفقا عليه في تسوية طلاقهما، واشترت ميليفا بالمبلغ منزلًا للسكن، ومنزلين لتعيش الأسرة على إيجارهما.

 

وعام 1933، هاجر أينشتاين إلى الولايات المتحدة، وقبلها بـ 3 أعوام، كان ابنه الأصغر إدوارد قد أصيب بداء الفُصام (الإسكيزوفرينيا)، وبعدها بعامين بدأت تبدو على زوجته إلزا أعراض مشاكل صحية في القلب والكليتين، وتوفت بسببها عام 1936.

 

الخطاب الأول: عن متعة الموسيقى واللعب والفكر (كتبه في مدينة برلين، يوم 25 يناير، من عام 1915)

يبدو أن أينشتاين كتب هذا الخطاب بعد 6 أشهر من زيارته لولديه في زيورخ، وكتبه إلى ألبرت الذي كان يبلغ من العمر حينها 11 عامًا.

   

 

"عزيزي ألبرت،

 

سمعت أنك وأخيك "تيتي" في أحسن حال، وأنكم تعيشون الآن في شقة جميلة في زيورخبرج، وأن مزلاجك الآن قد أصبح مزودًا بمقود، كما كنت تتمنى منذ العام الماضي، وأتمنى أنك وجدت أصدقاءك من جديد الذين كنت تلعب معهم من قبل، ودعني أقول لك إن زيورخ هي أحلى مكان يمكن أن يعيش فيه الطفل، فهي مكان صحي جدًّا، كما أن الأولاد عندك لديهم الحرية في اللعب، وليسوا مقيدين بالواجبات المنزلية، ولا مقيدين بتقاليد أن يكونوا متأنقين جدًّا في ملابسهم وفي تصرفاتهم.

 

لا تنسَ البيانو، فبالموسيقى الجميلة، يجلب الإنسان لنفسه المتعة وللآخرين أيضًا، فأنا عن نفسي على سبيل المثال، سأعزف الليلة في حفل موسيقي قصير، وستذهب أرباحه إلى فنانَين فقيرَين.

 

وخلال أعوام قليلة، يمكنك أيضًا أن تبدأ ممارسة الفكر، فالفكر أيضًا متعة عظيمة، ودعني أخبرك بأنني خلال الأسابيع الماضية، كنت أعمل مع الأستاذ دي هَس، الذي كان يزورنا في بيتنا في منطقة دهلِم ببرلين مع زوجته وأولاده، وكنا ننفذ تجربة مهمة عن المغناطيس.

 

سأحكي لك أكثر عن هذه التجربة في أقرب وقت نقضيه سويًّا، ربما في الإجازة الصيفية التالية، وأتمنى حينها أن آخذك في رحلة إلى الجبال، أنا وأنت فقط، لترى بعضًا من جمال العالم، وأتمنى أن تكون الحرب الشنيعة (الحرب العالمية الأولى) قد انتهت حينها.

 

أنا الآن أدرس لصديقك هابر الرياضيات، فقد كان مريضًا وغير قادر على الذهاب إلى المدرسة، أما بقية أصدقائك فلا أعرف أخبارهم لأني الآن صرت أسكن في ضاحية أخرى، فلدي الآن شقة صغيرة هنا، وأقضي معظم وقتي فيها وأنا أعمل، كما أني أطبخ لنفسي الغداء أحيانًا.

 

قبلاتي لك ولتيتي، أتمنى أن تكتب عن قريب إلى أبيك.

 

تحياتي لأمك.

 

ملحوظة: إن كانت لديك أمنية ما، اكتبها لي في جوابك القادم".

 

الخطاب الثاني: "الموسيقى والنجارة أهم من المدرسة" (كتبه من برلين ربما، يوم 4 نوفمبر، من عام 1915)

قبل أيام من كتابته هذا الخطاب، كان أينشتاين قد أكمل عمله على نظرية النسبية العامة الذي استمر لأعوام طويلة، وهو يذكرها هنا لابنه فرحًا، فقد كان يقدر قيمة نظريته التي غيرت مسار الفيزياء.

      

 

"عزيزي ألبرت،

 

تلقيت خطابك العزيز أمس، وسعدت به كثيرًا، كنت أخشى من أنك لن ترسل إلي مرة أخرى، أتذكر أنك قلت لي حين كنت معك في زيورخ إنك لا تحب أن آتي أنا إلى زيورخ، ولذلك فكرت في أن أقابلك المرة المقبلة في مكان آخر، حيث لا أحد يعكر صفونا، وسأحرص على أن نقضي سويًّا شهرًا كاملًا كل عام، لتعرف أن لديك أبًا يحبك ويعزك.

 

وحين نلتقي، يمكنني أيضًا أن أخبرك بأمور جميلة وجيدة، وهي أمور لن يخبرك بها أحد غيري، فلقد وصلت إليها أنا بعد مجهود كبير، ويجب أن يعرفها ابنَيّ كما يعرفها الغرباء، فلقد أنهيت مؤخرًا أفضل الأعمال التي أنجزتها (ورقة علمية تتوج مجهوده في نظرية النسبية العامة)، وسأخبرك عن ذلك حين تكبر.

 

وأنا مسرور جدًّا أنك تستمتع بتعلم البيانو، فهو والنجارة أفضل ما يمكن للأطفال في مثل عمرك ممارسته، وأفضل حتى من المدرسة، فأوصيك بالاستمرار في لعب البيانو، خاصة الألحان التي تستمتع بها، حتى ولو لم يكن مدرسك قد قررها عليك، فهذه هي أفضل وسيلة للتعلم؛ أن تستمتع بما تتعلمه، حتى تصل إلى درجة أن تشغلك متعة التعلم عن التفكير في انقضاء الوقت، فأنا أيضًا كثيرًا ما أنشغل في عملي حتى أنني أنسى موعد الغداء.

 

ولا تنسَ أيضًا أن تلعب بالطوق مع أخيك تيتي، فهذه اللعبة ستحسن من لياقتكما البدنية، وحبذا أن تزور صديقي زانجر من وقت لآخر، فهو رجل طيب.

 

قبلاتي لك ولتيتي.

 

مع تحياتي لأمك،

أبوك".

 

الخطاب الثالث: قضاء الكريسماس بعيدًا عن الأسرة (كتبه في برلين، يوم 23 ديسمبر، من عام 1915)

في هذا الوقت، كانت العلاقة بين أينشتاين وميليفا قد تدهورت أكثر فأكثر، ولم يستطع زيارة أسرته في الكريسماس، ولكنه زارها في أبريل التالي كما وعد، وقد كانت آخر زيارة لأسرته في زيورخ، بسبب تصاعد أكبر في الخلافات مع ميليفا، وانحياز ابنه ألبرت لأمه.

      

 

"عزيزي ألبرت،

 

لقد قضيت الشهر الأخير وأنا أبذل مجهودًا كبيرًا في العمل، إلى درجة أني أحتاج إلى الراحة في إجازة الكريسماس، كما أني أشك في إمكانية السفر من عندي إليكم في سويسرا بسبب الحرب (الحرب العالمية الأولى)، لأن الحدود غالبًا ما كانت مغلقة خلال الأشهر الأخيرة، ولذلك، فأنا مضطر للأسف إلى تأجيل زيارتي إليك حتى شهر أبريل المقبل، فحينها سيكون لدي وقت أطول، كما سيكون بإمكاني السفر إليكم.

 

ولقد أرسلت إليك المال الكافي لتشتري هدية الكريسماس التي طلبتها مني، وأنا سعيد لأنك تقضي وقتًا طويلًا في الخارج، وأتمنى أن يكون الجو مليئًا بالثلوج عندكم، لكي تتمكن من ممارسة هوايتك في التزلج على الجليد، ومن فضلك، اطلب من أمك أن ترسل إلي صورة فوتوغرافية تجمعكم أنتم الثلاثة، فأنت قد كبرت وتغير شكلك عما كنت عليه في آخر صورة لدي.

 

وأتمنى أن تحكي لي أكثر عن مدرستك، فأخبرني عن أصدقائك، وهل تحب مادة معيّنة من المواد الدراسية؟ وقل لي أيضًا كيف يسير اليوم كاملًا في المدرسة، لأني لا أعرف نظام المدارس في زيورخ، وكيف صحة أخيك تيتي؟ هل يشكو من مرض ما؟ أهو بصحة جيدة؟

 

كما أريد أن أخبرك بأمر مهم آخر، لقد سمعت عن وصفة ممتازة للعناية بصحة الأسنان والعظام، وبالأخص من أجل الأطفال، ومن الأفضل أن تتناوله أنت وأخوك، وكل ما يجب تحضيره هو محلول مشبع بكلوريد الكالسيوم، واحفظه في زجاجة دواء مغطاة، وبعد كل وجبة، أذِب ملعقة صغيرة منه في كوب ماء أو حليب واشربه، أنا متأكد أنه سيكون مفيدًا جدًّا لتيتي بالأخص؛ فالكالسيوم هو معدن أساسي من أجل بناء الأسنان والعظام، وهو موجود في الطعام غير المطبوخ، أما في الطعام المطبوخ، فهو موجود في صورة غير قابلة للهضم، وبالتالي لا يستفيد منه الجسم، أخبر أمك عنه، وهي ستدرك أهميته على الفور.

 

واكتب إلي قريبًا يا عزيزي ألبرت، وحين تكتب خطابك، أبقِ خطابي هذا بقربك لكي تجيب على كل أسئلتي بسهولة، ولا تتحمل عناء أن تتذكر كل ما قلته لك هنا.

 

قبلاتي لك ولأخيك تيتي.

 

مع تحياتي لأمك،

أبوك".

 

الخطاب الرابع: عن اقتناعه بأفكار فرويد (المكان والزمان غير محدَّدين)

يوجه أينشتاين هذا الخطاب إلى ابنه الأصغر إدوارد (تيتي)، الذي كان قد أصبح طالبًا للطب في جامعة زيورخ (غالبًا في نهاية العشرينيات، أو أوائل عام 1930)، وفيه يحدثه عن اقتناعه بأفكار سيجموند فرويد، الذي كان ابنه إدوارد يحبه حبًّا عظيمًا لدرجة أنه كان يعلق صورته في غرفة نومه.

   

 

"عزيزي تيتي،

 

أتمنى أن تكون قد أنهيت دراسة محاضرات فرويد في مدينة فيينا السويسرية، لقد قرأت أنا معظمها قبل زمن طويل، وقد أعجبت بصاحبها جدًّا، على الرغم من أني لم أكن مقتنعًا تمامًا بنظرياته، ولكني، مع مرور الأعوام، وبالتجارب الشخصية، أصبحت أكثر اقتناعًا بها، أو على الأقل أكثر اقتناعًا بفرضياته الأساسية.

 

كنت أتمنى أن أكتب إليك منذ وقت طويل، ولكن عملي يشغل وقتي كله، ومع ذلك فأنا أراه غير كافٍ، وهذا هو حال أمثالي من يتبعون شغفهم ويكون عملهم هو هوايتهم، وهذا كله بإرادتي على أية حال، ودعني أخبرك بأن من دون هذا الشغف تصبح الحياة ضحلة وباردة، خاصةً حين يكبر الإنسان ويفقد حيوية الشباب ومتعته.

 

حاليًا، أنا أقرأ قصائد شيلر في أوقات فراغي، وأعترف أني لم أولِها اهتمامًا كافيًا منذ شبابي، وصحيح أن في هذه القصائد بعض المبالغات، ولكن في بلاغة تعبيرها وثراء فكرتها أيضًا ما يجذب الإنسان، وأنا سعيد بأني اخترت قراءتها.

 

كما كنت أتمنى أن أرسل إليك كتبًا أخرى بجانب كتب فرويد، ولكني لا أعرف أي الكتب الأخرى تفضل، ونادرًا ما أجد كتبًا بالألمانية، وعلى أية حال، فأنا أخطط لأن أبدأ في قراءة أعمال شكسبير كلها مرة أخرى حين يكون لدي متسع من الوقت، وأتمنى أن تقرأها أنت أيضًا لنتناقش حولها فيما بعد.

 

أنا مسرور لأن أخاك ألبرت منطلق في رحلات حول سويسرا منذ 6 أسابيع، وأعتقد أن هذه الفترة جعلته يرى الكثير من الأشياء الرائعة، وأتمنى أن يكون قد اتبع نصيحتي بتسجيل يومياته أثناء السفر، ولكني أشك في ذلك بسبب ما يعانيه أخوك من صعوبات مزمنة في الكلام والكتابة.

 

تحياتي الحارة،

أبوك".

 

الخطاب الخامس: لتشجيع ابنه المصاب بالفُصام (كتبه في مدينة برنستون، يوم 3 ديسمبر، من عام 1934)

قبل هذا الخطاب بأربعة أعوام، كان إدوارد (تيتي) قد أصيب بداء الفُصام، وأينشتاين يكتب لابنه هذا الخطاب فقط لتشجيعه على مواجهة المرض، وقد كان في خطاب سابق على هذا، يحذر أمه ميليفا من حساسية أعصاب إدوارد، وكذلك يشكو لها من أنها تبقي الولدين في المنزل طويلًا، ولا تدفعهما إلى الحياة الاجتماعية، حتى صارا أقرب إلى الانطواء.

 

"عزيزي تيتي،

 

لقد سُرِرت بما أخبرتني به أمك والسيد دوكاس عن صحتك التي قد تحسنت بالعلاج، ويمكنك أن تتخيل مدى سعادتي بخبر مثل هذا، وكل ما عليك الآن أن تحرص على أن يتم هذا العلاج بأفضل حال، وألا تتأثر بمصاعب المرض، وفي النهاية، بعد أن تشفى وتستعيد صفاءك الداخلي، سترى مدى أهمية أنك قد بقيت قويًّا وصابرًا في مواجهة مرضك.

 

أعترف بأني مقل في الكتابة إليك، ولكن حياتي مشغولة جدًّا بالعمل، وليس لدي الكثير لأحكيه لك، ولكني دائمًا أفكر فيك وفي المرة الأخيرة التي جمعتنا.

 

تحياتي الحارة إليك،

أبوك".

 

الخطاب السادس: لتشجيع ابنه على الكتابة (كتبه في مدينة برنستون الأمريكية، يوم 19 نوفمبر، من عام 1944)

كان قد مر 14 عامًا على إصابة ابنه إدوارد بالفُصام، وأصبح الآن بعمر 34 عامًا، أما أينشتاين فكان في عمر 65 عامًا.

   

 

"عزيزي تيتي،

 

بعد هذا الوقت الطويل، أخيرًا تحررت سويسرا، وأستطيع الآن على الأقل أن أكتب إليك من جديد، وأتمنى أن تكون سعيدًا وفي صحة جيدة، وأتمنى أن تكون قد عدت للكتابة الأدبية.

 

 لقد أرسل إليّ طبيبك الذي كان يعالجك قبل أعوام مجموعة من خواطرك التي كنت تكتبها، والتي بقيت عنده على ما يبدو، ولقد قرأتها وأنا لا أعرف صاحبها، وانبهرت جدًّا ببلاغة كثير منها، وسررت حين عرفت أنك أنت كاتبها، فحاول أن تعود للكتابة مجدَّدًا.

 

لاشيء في هذا الوجود أكثر متعة من أن يصل الإنسان بعد عناء طويل إلى أفضل ما يمكنه الوصول إليه، وأنا أحس بهذا الآن خاصةً وأنا في أواخر أيامي، وأصبحت منعزلًا عن الحياة الاجتماعية مثل كثيرين مِمَّن هم في سِنّي المتقدم، كما أصبحت متّسقًا أكثر مع الوجود من حولي، وربما ستشعر أنت بمثل هذا في عمر مبكّر عن غيرك بسبب حالتك النفسية.

 

وأوصيك أخيرًا بقراءة رواية الحرب والسلام لتولستوي، وكذلك رواية موت إيفان إليتش، ومسرحية قوة الظلام، وكذلك أنصحك بقراءة إسخيلوس، خاصةً عمله بروميثيوس.

 

تحياتي الحارة،

أبوك".


تعليقات