انشاء حساب



تسجيل الدخول



ربما تكون كليات الطب هي السبب في المعدلات المرتفعة لانتشار الاكتئاب بين طلابها
25 ديسمبر 2016
32456

ترجمة مقال High rates of medical student depression: What do they say about our health system?، لأستاذ طب الأطفال وعلم الأشعة بجامعة إنديانا الأمريكية ريتشارد جندرمن، نقلًا عن موقع The Conversation.

 

كشفت دراسة حديثة في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية (Journal of the American Medical Association JAMA) أن 27% من طلاب كليات الطب حول العالم يظهرون أعراضًا للاكتئاب، وأن 11% منهم قد فكر في الانتحار من قبل، ولكن 16% فقط من الذين يعانون مثل هذه الأعراض يحاولون الحصول على علاج نفسي.

 

كما تثبت دراسات أخرى أن الاكتئاب ينتشر بين طلاب الطب أكثر بـ 5 مرات عن انتشاره بين زملائهم من الكليات الأخرى، كما أن انتشار اضطرابات القلق بينهم أعلى بـ 8 مرات، ولكن الكثيرين منهم لا يفكرون في الذهاب إلى أطباء نفسيين بسبب الخوف من الصور المجتمعية السلبية عن الاستشارات النفسية.

 

كما أن الاكتئاب لا ينتهي بانتهاء الدراسة، بل إن معدلات الاكتئاب بين الأطباء الأمريكيين الذكور تصل إلى 13%، و20% بين الطبيبات الأمريكيات.

 

وبوصفي طبيبًا وأستاذًا جامعيًّا، وأتعامل يوميًّا مع الطلاب والمرضى في إحدى المراكز الطبية الكبرى، يمكنني أن أحاول تحليل مثل هذه الدراسات، وبالنسبة لي، فإنها تثير أسئلة مهمة عن أسلوب تدريس الطب وأسلوب ممارسته في الوقت الحالي، وبالأخص فيما يتعلق بكل تلك الأمور التي تطلب من الطبيب وتستهلك وقته وطاقته الذهنية، وهي ليس لها علاقة بوظيفة معالجة المرضى.

 

"ربما ليست المشكلة في الطلاب، ولكن في كليات الطب نفسها، فدراسة الطب شاقة، وتتطلب ساعات طويلة من الدراسة، وتعامل مستمر مع معاناة المرض، والموت"

العلم يخبرك أنك لن تكون سعيدًا إلى الأبد (مترجم)

 

تفسيران محتملان

يوجد تفسيران مطروحان للنسب المرتفعة للمصابين بالاكتئاب بين طلاب كلية الطب؛ الأول يركز على فكرة أن طلاب الطب عادةً ما يكونون أشخاصًا مثاليين، وبالتالي هم الأكثر عرضة للإحباط في حال ارتكابهم أي خطأ.

 

أما التفسير الثاني فيقول إن طلاب الطب هم أشخاص عاطفيون، وهم أكثر عرضة للاكتئاب بسبب تعاملهم المستمر مع معاناة المرضى.

 

هل تسبب كلية الطب الاكتئاب؟

إن كان هذان التفسيران صحيحين، فربما كان على كليات الطب أن تخضع المتقدمين لاختبارات تقصي الذين يظهرون ميلًا للإصابة بالاكتئاب، ولكن هذا سيحرم مهنة الطب من الأشخاص العاطفيين الذين يكونون أطباءً جيّدين جدًّا فيما بعد، كما يمكن توفير بعض خدمات الاستشارات النفسية للطلاب الميالين للاكتئاب في مرحلة مبكرة من التدريب العملي لمساعدتهم على التعامل النفسي الأمثل مع صعوبات المهنة.

 

وربما ليست المشكلة في الطلاب، ولكن في كليات الطب نفسها، فدراسة الطب شاقة، وتتطلب ساعات طويلة من الدراسة، وتعامل مستمر مع معاناة المرض، والموت، وتتطلب تضحيات كثيرة من الطلاب في نواحي الحياة المختلفة.

 

ولكن إلى حد كبير، لا يمكن الاستغناء عن مثل هذه التضحيات ومثل هذا المجهود؛ فليس من السهل أن يتعلم الإنسان، تركيب الأعضاء وأجهزتها المختلفة ووظائفها، والأمراض التي تصيبها، ودور الفحوصات القديمة والحديثة، واختيار الفحوصات المناسبة لتحديد المرض، ثم العلاج المناسب.

 

ولكن ليس هذا كل ما يحتاجون تعلمه، فمن المفترض أن يعرف طلاب الطب الكثير عن العلاقات الإنسانية، فهم يحتاجون إلى تعلم أن يكونوا أهلًا للثقة، وأكثر تعاطفًا مع الناس، وأن يكونوا قادرين مثلًا على التحدث مع العشرات من المرضى بأخبار قد تكون سيئة جدًّا عن صحتهم بصفة يومية.

 

أكثر من مجرد مشكلة نفسية

ومع ذلك، فيمكن بالتأكيد تجنب إصابة الطلاب بالاكتئاب، ولكن بعض كليات الطب لا تهتم أصلًا بصحة الطلاب النفسية، ولا بمساعدتهم لأن يصبحوا أكثر مرونةً وتفاؤلًا طول مدة دراستهم، ونحن بحاجة إلى أن تبذل الكليات مجهودًا أكبر لحماية صحة الطلاب النفسية.

 

ولكن سيكون من الخطأ التعامل مع هذه المشكلة بوصفها فقط مشكلة تتعلق بصحة الطلاب النفسية، فقبل أن يدخل الطالب في مرحلة معاناة أعراض الاكتئاب، يكون في الأغلب قد مر بمرحلة الشعور بأن الدراسة محبطة بالنسبة له، وأن مهنة الطب شاقة عليه.

 

وجزء كبير من المشكلة قد يرجع إلى التغيرات التي تشهدها مهنة الطب، والتي تجعل عمل الطبيب أشق، وبحافز معنوي أقل، فقد أظهرت دراسات حديثة أن نصف الأطباء الأمريكيين تقريبًا يعانون الاحتراق النفسي، وما دام الطلاب يرون الأطباء الكبار محترقين نفسيًّا، فمن الطبيعي أن يشعروا هم بالإحباط.

 

وفي هذه الأيام، يكون على الأطباء العمل بوتيرة أسرع مما مضى، ويؤدي هذا إلى فرصة أقل لممارسة المهنة ممارسةً دقيقة، وللتواصل مع المرضى تواصلًا جيّدًا، كما أن الأعمال المتعلقة بالأرشفة والتسجيل التي تُفرَض على الأطباء بازدياد مع مرور الوقت، تجعل العديد المرضى يشعرون أن الطبيب ينظر إلى الأوراق أو شاشة الكمبيوتر أكثر مما ينظر إليهم.

 

وأحد الأسباب وراء هذه المشاكل هي الاهتمامات المالية في المستشفيات الخاصة التي تضع أعداد المرضى والعائد المالي أولوية، مما يدفع الطبيب في النهاية إلى الانتهاء من كل مريض بسرعة حتى يتفرغ للآخر، وقضاء وقت أطول في تسجيل البيانات اللازمة لحساب التكاليف العلاجية، والتأكد من تحقيق الربح المادي الكامل.

 

وسبب آخر هو مقاييس الجودة في تعامل الطبيب مع المرضى، فالفكرة السائدة تعتمد على قياس مدى التزام الطبيب بالتعليمات في تعامل الطبيب مع المرض، لا مع المريض.

 

فعلى سبيل المثال، كانت إحدى المريضات تعاني نوبات إغماء، وأدرك الطبيب المعالج أنها كانت تتناول أدوية للتحكم في مستوى السكر في الدم، ولكنه أصبح يؤدي إلى انخفاضه انخفاضًا كبيرًا، وقد عالج الطبيب المشكلة، فارتفع معدل السكر في دمها، وتوقفت النوبات، ولكن الطبيب تعرض للعقوبات بسبب الارتفاع الطفيف الذي حدث بعد ذلك في مستوى السكر في الدم.

 

"الطلاب أكثر بكثير من مجرد أرقام، فصحيح أن الاهتمام بالدرجات قد يكون أساسًا منظمًا لعملية التنسيق، لكن الكليات عادةً ما تتجاهل النظر إلى الطلاب بوصفهم بشرًا"

 

فلأن المهنة تسير على معايير صارمة، تتراجع أهمية رؤية الطبيب لحالة المريض بناءً على العلاقة بينهما، على الرغم من أن الطبيب المعالج يعرف حالة المريض أكثر ممن وضعوا مثل هذه المعايير الصارمة، ولكن هذه المعرفة الإنسانية ليست لها فرصة في الإسهام بعلاج أفضل للمريض.

 

الإنسان أوّلًا

وكذلك الأمر بالنسبة إلى تدريس الطب، فلكي تحصل كليات الطب أو المستشفيات على الاعتماد، يجب أن تكون أوّلًا ملتزمة بالمعايير الصارمة، فنحن نعيش في زمن تسيطر فيه فكرة أن جودة ممارسة المهنة تعتمد على مدى الالتزام بالمعايير، وأن أي انحراف عنها هو خطأ.

 

ويرى أحد طلابي، ويدعى جيانكارلو، وهو في الرابعة والعشرين من عمره، ويدرس في السنة الرابعة من كلية الطب، أن طريقة التفكير هذه مفروضة على طالب الطب بداية من قبل دخوله الكلية، فدخول كلية الطب يعتمد على الحصول على درجات عالية، بينما يرفض هو ذلك قائلًا: "الطلاب أكثر بكثير من مجرد أرقام، فصحيح أن الاهتمام بالدرجات قد يكون أساسًا منظمًا لعملية التنسيق، لكن الكليات عادةً ما تتجاهل النظر إلى الطلاب بوصفهم بشرًا".

 

وقد سمعت من قبل الكثير من الطلاب يصفون أسلوب دراستهم بأنه صارم وأشبه بالوقوف في طابور، وأن التعامل مهم يكون باعتبار أنهم أشبه بمنتجات صماء.

 

ولكن الطلاب ليسوا متشابهين، وكذلك المرضى الذين سيعتنون بهم في المستقبل.

 

ويعبر جيانكارلو عن هذه الفكرة كما يلي: "الطبيب الجيد يعتني بالمريض لا بالمرض، وكذلك يجب أن يكون الأمر في تدريس الطب، فيجب أن يتوقف التعامل مع الطلاب بوصفهم آلات صماء، وتأهيلهم لأن يعملوا بوصفهم بشرًا".

 

سيكون تدريس الطب أفضل بكثير إن أصبح لا يتعامل مع الطلاب كما لو كانوا جميعًا أشباه بعضهم، بل وأن يساعد كل طالب في البدء باستكشاف خبراته الحياتية، واهتماماته، وقدراته.

 

ويضيف جيانكارلو أن "العالم مليء بالتنوع، وبالتالي يجب أن يخرج لمهنة الطب أنواع مختلفة من الأطباء الذين لدى كل واحد منهم شخصيته وخبراته، لكي يستطيعوا تلبية احتياجات كل مريض، وما نحتاجه لمساعدة الطلاب في تفادي الإصابة بالاكتئاب هو مزيد من الدعم لتنمية الذات، لا المزيد من الدفع إلى الالتزام بالمعايير والحدود الصارمة".

 

ففقط حين ندرك أن الطب الصحيح يعني الاهتمام أوّلًا وقبل كل شيء بالمريض، سنهتم بتأسيس الجانب الإنساني لدى الطالب وتنميته، لكي يكون أفضل إنسان يمكنه أن يكونه، وفقط حينها سنكون قادرين على علاج الاكتئاب المنتشر بين طلاب كليات الطب.

 


تعليقات