انشاء حساب



تسجيل الدخول



صورة تعبيرية
16 نوفمبر 2016
1189

منذ بداية الثورة السورية في الخامس عشر من مارس لعام 2011، وأعداد النازحين واللاجئين السوريين في تصاعد مستمر، وكان المواطن السوري هو المتضرر الأكبر من الصراع الدائر هناك، حيث يتابع العالم الصراع السوري بعين من الترقب لمعرفة ما جدَ على الساحة من تطورات عسكرية وسياسية، ولكن في خضم تلك الأزمة لم يتطرق أحد إلى الجانب الإنساني عامةَ والجانب التعليمي خاصةَ إلا القليل.

 

وكما يقول الكاتب الصحفي روب أودكارد "حين تعود إلى الأحداث بعد انقشاع الغبار، ستجد قصة مختلفة تمامًا"، ومن المحتمل أن تكون أكثر القصص المختلفة عما روي عن الأزمة من انتصارات، هزائهم، قتلى، وجرحى؛ هي قصة الطلاب السوريين الذين تقطعت بهم السبل عن مقاعد الدراسة، وصاروا بين ليلة وضحاها دون مدارس تأوي أحلامهم، وربما أنستهم مرارة الحرب المعنى المقصود بكلمة "مدرسة".

 

حيث ألقت الأزمة السورية بأثقالها على الطلاب فمنعتهم من دخول المدارس، ومع استمرار الوضع الإنساني المتأزم سافر عدد من الشبان السوريين إلى أوروبا، لعلهم يجدون فيها ضالتهم ويجدون فيها راحةً لهم ومنطلقًا لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم، ومستفدين من حالة التقدم العلمي والتكنولوجي المتسارع، وحاجة القارة العجوز للأيدي العاملة في مختلف مجالات الحياة.

 

لذلك عملت شبكة "شفاف" الإخبارية على التواصل مع عدد من الطلاب السوريين الذين طوت أرجلهم الأراضي الأوربية بحثًا عن التعليم والعلم، وما واجه من مشكلات وأزمات، لنسرد للقراء عدد من الحالات لطلاب غالبوا أجواء الحرب طمعًا في تحقيق المستقبل.

 

"أسامة" من المدرسة المقصوفة إلى أرض الأحلام

 

لم يعتقد "أسامة الأفندي" أنه سينتقل من حارته ببلدة حرستا في غوطة دمشق الشرقية إلى خارج سوريا يومًا ما، فهو مثل معظم الشباب السوريين قبل الثورة كان تفكيره منصبًا على الثانوية العامة، والالتحاق بكلية الطب البشري ليحقق حلمه في أن يصبح طبيبًا مرموقًا، وبدأت قصة معاناة "أسامة" التي سردها لنا بالكثير من الطموح، الفشل، الفرح، والحزن، وبالفعل اجتهد "أسامة" في دراسته ولكن تواكب امتحانات الثانوية العامة التي التحق بها مرتين مع أحداث الثورة صعبت تلك المهمة.

 

بددت إحدى قذائف دبابات الجيش السوري التي أصابت مدرسته ذلك الحلم الذي لم يغب عن ذاكرته حتى اللحظة، وجعلت تلك الحادثة فكرة الالتحاق بالثانوية مرة أخرى دربًا من الخيال، بعدها شعر بيأس وأصبح محاطًا بحطام معنوي كبير علاوةً على حطام مدرسته وحارته التي عاش بها منذ صغره.

 

هذا غيض من فيض، وفي خضم تلك الأزمة قررت عائلته الانتقال من سوريا إلى مصر، وكانت بمثابة دفعة جديدة له، حيث عزم على خوض التجربة من جديد، والتحق بإحدى المدارس الثانوية المصرية، وأنهى دراسته الثانوية والتحق بكلية العلوم، ولكن كما قال أحدهم "تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن"، فالأوضاع السياسية في مصر عقب أحداث 30 يونيو انعكست سلبًا على أوضاع السوريين المقيمين بها_ على حد قوله_.

 

مدرسة أسامة بعض القصف

ولسوء حظ أسامة فإن جامعته تقع بمنطقة سيناء التي تشهد عمليات عسكرية يشنها الجيش المصري على الجماعات المسلحة التكفيرية هناك، ولذا ثمة الكثير من العراقيل التي واجهها أثناء ذهابه إلى الجامعة في فترات الدراسة، وعلى إحدى نقاط التفتيش المنتشرة على الطريق من القاهرة إلى العريش أوقف أحد رجال الجيش أسامة وسأله العديد من الأسئلة حول وجهته ولما سيناء بالذات وما إلى ذلك.

 

ويروي "أسامة" لنا؛ أنه خلال التحقيق الذي حدث بنقطة التفتيش تعرض لمعاملة سيئة للغاية من قبل المحقق، وحينها شعر أن الأمر لم يختلف كثيرًا عن واقع بلده، وترك نقطة التفتيش بعد الإنتهاء من التحقيقات وهو عازم على ترك مصر.

 

بعد التجهيز لعدة أيام؛ عزم أسامة على الالتحاق بركب المهاجرين إلى أوروبا "أرض الأحلام" كما يطلق عليه بعض السوريون، وانطلق في رحلة جوية إلى تركيا ومنها هربًا بحرًا بطريقة غير شرعية إلى "مقدونيا"، مرورًا بـ"هنغاريا"، "صربيا"، و"النمسا"، ووصولًا إلى وجهته الأخيرة "ألمانيا".

 

بعد عدة أشهر قضاها أسامة في إحدى مراكز تجميع اللاجئين بين أشخاص من عدة جنسيات، تحقق أحد أهم أحلامه بالحصول على أوراق قيد ثبوتية بألمانيا، وعاد نجم النجاح يلوح في الأفق وصار الحلم القديم يراوده مرةً أخرى، ولكن حاجز اللغة كان العائق الأكبر_ من وجهة نظره_، وللتغلب على ذلك الحاجز سجل بدورة تدريبة مدفوعة التكاليف من قبل المكتب الفيدرالي للهجرة لتعلم اللغة الألمانية بإحدى مدراس اللغة.

 

ويلفت "أسامة" إلى أن دخوله ألمانيا بطريقة غير شرعية كان السبب الأبرز في عدم استكماله لدراسته حتى الآن، ويرى أن الروتين في التعامل الرسمي والبيرقراطية الموجودة داخل المجتمع الألماني التي لم يعتد العرب عليها تمثل إحدى العراقيل التي واجهها خلال إنهاء أوراقه الثبوتية.

 

ومن أجل مواصلة التعلم والتفوق خطط أسامة إلى التحمل والانتظار، وبدا له أن التأقلم مع نظام الدولة الألمانية في التعامل البطيء _على حد وصفه_مع معاملات أوراق اللاجئين أفضل حالًا مقارنةً بوضعه السابق سواءًا في مصر أو سوريا، ومن ناحية أخر يعتقد أنه ليس بيده شيء سوى الانتظار.

 

وختامًا لحديثه، أعرب أسامة عن عزمه مواصلة مشوار التعليم وتنفيذ خططه الدراسية التي يقول إنها لا تحتمل التأجيل، ولم ينكر أنه شعر ببعض التثبيط لكنه أبدى عزمه على مواجهة الصعاب والعراقيل حتى ينجح ويتحقق حلمه. 

 

 

"عبدالله" حيث الشمال المتجمد سعيًا وراء الأحلام

إحدى المؤسسات التعليمية بفنلندا

"عبدالله الحمود"؛ شاب سوري مثله كبقية السوريين الذين غيرتهم الحرب، حولتهم من مدنيين عاديين إلى شباب مكافحين، انتقل "عبدالله" من حي الخالدية بمدينة حمص إلى مصر؛ وذلك بسبب ظروف الصراع السوري، ووصل إلى مصر بعد تخطيه الصف الأولى الثانوي في مدرسته بسوريا.

 

عاش بمصر لمدة ثلاث سنوات، وبعدها انتقل إلى أوروبا تحديدًا إلى دولة فنلندا بأقصى شمال أوروبا، وذلك عن طريق مكتب مفوضية الأمم المتحدة بمصر، وكان متحمسًا بدرجة كبيرة لخوض تجربة عملية وعلمية هناك.

 

جزء من الدمار الذي حل بحي "الخالدية"

ففور وصوله إلى فنلندا؛ بدأ في دراسة اللغة الفنلندية عملًا بنصيحة بعد الأشخاص الذين أخبروه أن اللغة الفنلندية من أصعب وأغنى لغات العالم، وبعدها بفترة وجيزة التحق بمدرسة لتعليم اللغة، وتدرب على طريقة تجعله يتحدث بلغة أهل البلد في أقصر وأسرع فترة ممكنة وبشرح مبسط.

 

ومقارنةً بين نظام التسجيل وإجراءات القبول في الدول العربية وفنلندا؛ يقول "عبدالله" أن تلك الإجراءات "انقرضت في أوروبا"، مضيفًا أن "الطوابير تلاشت وتبخرت الأوراق والمعاملات الرسمية"، وأكد أنه بالإمكان إنجاز أي معاملة عن طريق البريد الإلكتروني، وضرب مثالًا أنه إذا أردنا التسجيل في إحدى المدارس فقط نرسل طلبًا للمدرسة على بريدها الإلكتروني، ويكون بشكل مبسط دون تعقد أو مساعدة من أحد.

 

وخلال الحديث عن حاجز اللغة بين العربية والفنلندية؛ أوضح أن العامل المساعد الأهم بالنسبة له أن أكثر من 90% من الشعب الفنلندي يتحدثون الإنجليزية، وقد بدا هذا له "كورقة رابحة" في المعاملات الشخصية وفي أبسط الأمور الحياتية.

 

كما أعرب "عبدالله" عن سعادته بالحياة الجامعية والمجتمع الجامعي الفنلندي، مضيفًا "حين ننظر إلى الحياة في الأوساط التعليمية كافة نجد التعامل على أساس "علمي بحت" فلا تمييز ولا تفريق على حسب الشكل أو العرق أو الدين، بقدر ما تهمهم الأسئلة عن الدراسة، المحاضرات، الفهم، والشرح". 

 

وأشار إلى وجود اختلاف في العادات والتقاليد بين ما تربى عليه وبين ما وجده هناك، ولكنه لا يرى مشكلة في تلك العادات والتقاليد، معتقدًا أن المشكلة هي في فهم السبب وراء تلك العادات والتقاليد، ولكنه يعود ويبدد تساؤلاته الداخلية بأن العادات والتقاليد لا يمكن تفسيرها لإنه موروثة هكذا عن الإجداد. 

 

 

 

"الشهادات المزورة".. تقلص حلم "عبدالعزيز" بالإنضمام للجامعات التركية

 

خرج "عبدالعزيز" من الحي الذي يقطنه بدمشق عقب انتهاءه من امتحانات الشهادة الثانوية قاصدًا مصر، بعد أن ضاقت به السبل في العيش بسوريا بعد تأزم الأوضاع هناك، ورغبةً منه في تحسين مستوى دخله المعرفي؛ إذا أنه يطمح لدراسة مجال الفضاء، وظن بعد انتقاله إلى مصر أن أوضاعه اتجهت إلى الاستقرار وقرر استكمال دراسته، وبالفعل التحق بمدرسة ثانوية في إحدى المدن المصرية.

 

ولكن بعد أن ظل في مصر لمدة تزيد على سنتين اضطرته الظروف السياسية التي حدثت في مصر في بداية النص الثاني من عام 2015 إلى الخروج من مصر بإتجاه تركيا، وربما كان هذا التحول الأبرز في حياته، إذ أنه لم يفكر ولو مرة بالذهاب إلى تركيا حتى لو بغرض الزيارة، وقد يكون هذا التحول إيجابيًا في حياته بعد أن ترك الحرب وعدم الاستقرار.

 

بعد وصوله إلى تركيا؛ قرر دراسة اللغة التركية وبعدها الالتحاق بإحدى الجامعات التركية المرموقة، ولكنه واجه عدة مشاكل بدءًا بنظام التسجيل الإلكتروني القائم على النظام العشوائي، وانتشار الشهادات الثانوية المزورة مما صعب من مسألة التسجيل. .

إحدى الجامعات التركية

 

وخلال تطرقنا للعادات والتقاليد في المجتمع التركي؛ رأى "عبدالعزيز" أن الثقافة والعادات والتقاليد التركية على درجة كبيرة من التشابه بينها وبين العادات والتقاليد السورية وهذا ما ييسر الحياة والمعيشة في تركيا.

 

لكنه شعر بالإحباط من حاجز اللغة بين العرب والأتراك، موضحًا أن الغالبية العظمى من الأتراك لا تتحدث غير اللغة التركية ولا يتحدثون أي لغة أخرى، مضيفًا "إذا وجدت شخص يستطيع تكلم الإنجليزية فإنها معجزة".

 

وبالحديث عن الحياة الجامعية؛ بدا له أنها تميل للملل تارة وللتشويق تارةً أخرى، موضحًا أن الجامعة تحوي عدد كبير من الطلاب من جنسيات وثقافات مختلفة، فمن المحتمل أن تجد من يحبوك أو من يكرهوك، ولكن كن على يقين أنك لن تجد من يؤذيك "ولو بكلمة" _على حد قوله_.

 

اندثرت أحلام وطموحات عبدالعزيز بعد أن مرت عدة شهور على وصوله إلى تركيا، وبد له أن عليه العمل بكد واجتهاد للحصول على مبالغ كافية للمعيشة والمصاريف الجامعية، ولكنه يرى أنه لا يمكن لشخص التوافق بين العمل لساعات طويلة قد تزيد على 12 ساعة ومواصلة الدراسة بعد انقضاء وقت العمل.

 

ولخص "عبدالعزيز" رحلته حيث رغب في انتهاء الحرب والعودة إلى بلده في أسرع وقت، وأعرب عن اشتياقه إلى أصدقائه والحي الذي نشأ به، وتنمى من الله أن يعينه على استكمال دراسته.

 

 

 

تعلم اللغة التركية شبح يطارد "جميل" للتواجد بالأراضي 

إحدى امتحانات القبول بالجامعات التركية

"جميل بيطار" ترك بيته وحياته في سوريا أيضًا، ولجأ إلى تركيا بحثًا عن أمن وأمان، وطمعًا في عيش رغد، ومنذ وصوله للأراضي التركية عمد إلى الالتحاق بمعهد لتعلم اللغة التركية، مشيرًا أن الطلاب الذين لن يتقنون اللغة التركية سيصبح وجودهم مثل عدمه، لكي يتخطوا حواجز اللغة بينهم وبين الأتراك ويلتحقوا بالدراسة الجامعية في اٌقرب وقت.

 

وبعد إصرار شديد منه؛ استطاع "جميل" إتقان اللغة التركية تحدثًا وكتابةً خلال عامًا ونصف بعد دراسة اللغة والاختلاط مع أصحاب البلد للتعرف أكثر على الألفاظ المستخدمة في حياتهم اليومية، وقال إن تركيا تحتضن أكثر من مليوني سوري، ولذا على السوريين تعلم اللغة التركية لسهولة الإنصهار في المجتمع التركي _على حد قوله_.

 

ويضيف "جميل" أن المشكلة الوحيدة التي تواجه الطلاب السوريين في تركيا هي اللغة، إذ أنه لا يوجد اختلاف كبير بين المناهج التركية والمناهج السورية من حيث المحتوى، إلا أن اللغة هي الركيزة الأساسية التي يرتكز عليه مدى قدرة فهم واستيعاب الطلاب للمناهج، وفي هذا الإطار أشار إلى وجود مدارس إسلامية تابعة لهيئة الأوقاف التركية، وهي مدارس داخلية يدرس بها الطلاب مستخدمين اللغة العربية، كما أنها مدراس مجانية وتعادل شهادتها الشهادة الثانوية الممنوحة من وزارة التربية.

 

وعن إجراءات الدخول للمدارس والجامعات؛ أوضح أن الحكومة التركية متعاونة إلى حد كبير مع الطلاب، مبينًا أن النظام التعليمي التركي سهل للغاية ولايخضع لشروط قبول معقدة على النقيض تمامًا من معظم المدراس والجامعات في بقية القارة الأوروبية، ويتاح للطالب خيارات متعددة طبقًا لرغباته وطموحاته_على حد قوله_.

 

في المحصلة، يرى "جميل" أن على الطلاب الجد والاجتهاد ليستعيدوا جزءًا مما فقدوه في سوريا، ودعا الطلاب السوريين إلى مواصلة كفاحهم العلمي لكي يعودوا إلى سوريا مرةً أخرى ويعمروها بسواعدهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


تعليقات