انشاء حساب



تسجيل الدخول



كتب بواسطة: بسمة رمضان
01 يونيو 2015
1664

محمد سلطان ووالده في إحدى جلسات المحاكمة

 

محمد مخلف

كم مصرى يحلم بوظيفة فى الخارج ليبنى مستقبله؟ كم مصرى يحلم بمستوى مادي و حياة أفضل؟ كم مصرى يتمنى تعليم جيد لأبنائه؟ كم مصرى يريد أن يطمئن على ابنه أو ابنته عند نزولهما إلى الشارع؟ كم مصرى يريد مكانًا جيدًا للعلاج؟ كم مصرى يريد ان يستمتع بالهواء دون تلوث؟ كم مصرى يريد أن يشعر بالكرامة داخل بلده؟ كم مصرى يريد العدالة؟

عفواً إنها ليست أحلام كائن فضائي وصلت مركبته الفضائية إلى أم الدنيا عن طريق الخطأ، إنها متطلبات الحياة لأى انسان على كوكب الأرض.

 

كنا نشاهد منذ الصغر الأفلام الامريكية التى تبرز حرص الدولة على مواطنيها، كنا نشاهد الرجل العالق فى البحر، تتحرك من أجل إنقاذه السفن و الطائرات، و صنفنا هذه الأفلام بالأفلام الخيالية. و لا عجب فى ذلك فلقد ترعرعنا و شاهدنا الحوادث و الكوارث تحدث وكأنها أمر طبيعى دون أي اهتمام من الدولة، شاهدنا عربة الأسعاف التى تأتى بعد ساعة كاملة لتحمل مواطنًا مدهوسًا فى حادث سير، شاهدنا الأسماك تأكل المواطنين الذين غرقوا من العبارة، شاهدنا الشباب العالقين فوق الجبال يستغيثون بأجهزة الدولة لإنقاذهم من الموت وشاهدنا موتهم نتيجة لعدم استجابتها.

 

(اصمت)، هذه ليست كلمة وحسب، بل إنها أحد أهم إجراءات السلامة هنا، نسمعها دائماً من أقرب الناس إلينا بعد كل حادث وبعد كل جريمة تتورط فيها أجهزة الدولة، فمن الممكن أن تكون أنت المعتقل أو المصاب أو الشهيد الفلاني لمجرد حديثك عن الجرائم التى ترتكب فى حق الإنسان. لقد أصبح حلم التجنيس أو الهجرة حلمًا يرافق الشاب المصرى الطموح بعد أن تيقن له أن لا مستقبل له ولا مستقبل لبلاده، بعد أن لفظته عندما حاول إصلاحها، وعاقبته عندما أصر على ذلك. الجميع الآن يحلم باستكمال حياته بشكل أفضل ولا يريد إطلاقًا أن يواجه أبنائه ما واجهوه.

 

محمد سلطان شاب مصرى أمريكي، قرر أن يترك أمريكا منذ عامين ويعود إلى مصر متمنيًا لها مستقبلاً أفضل، ففضل العيش بمصر على أمريكا ليشارك فى بنائها. ليس محمد سلطان وحده من فعل ذلك لكنه واحد وسط آلاف الشباب المهاجرين الذين عادوا إلى مصر بعد الثورة التى قادها الشباب فى الخامس والعشرين من يناير. لم يكن هؤلاء الشباب يتوقعون أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه أو تزداد سوءاً، ولكن عندما أدركوا ذلك، قرر بعضهم العودة و قرر البعض الآخر الصمود والمحاولة فى إصلاح الوضع، وكان محمد ضمن هذه المجموعة.

 

محمد لم يعلم أن هذا الإصرار سيكون جزاؤه العقاب، ولم يدرك ذلك إلا بعد أن حكم عليه القاضي بالسجن ٢٥ عامًا بعد أن تم اعتقاله بدلاً من والده، وذلك باعتراف وزارة الداخلية المصرية حين ذاك. حاول محمد أن ينال حريته بالضغط على النظام الحاكم من خلال إضراب مفتوح، وبعد ٤٩٠ يومًا من الإضراب عن الطعام أدرك أن موته أمرًا طبيعيًا في مصر من الأصل؛ لأنه اعترض، فلم يجد منقذا له من السجن إلا تنازله عن جنسيته المصرية.

 

محمد فضل مصر عن أمريكا من قبل عندما تركها وترك معها الحياة التى يتمناها أى إنسان وعاد ليستقر في مصر، لكن اختلفت اختيارته الآن، فأصبح الخيار الآن بين سجن مصر وحرية أمريكا. محمد سجنته مصر و حررته أمريكا فقرر أن يتخد من أمريكا موطنًا. محمد لم يختر أمريكا لكنه اختار حريتها.


تعليقات