انشاء حساب



تسجيل الدخول



نظام التعليم الفنلندي يتربع على قمة تصنيفات أفضل الأنظمة التعليمية في أوروبا منذ 16 عامًا

النظام التعليمي البارز عالميًّا يترك الأطفال دون السابعة بلا "تعليم".. ولكنه يركز على جوانب أخرى أهم

الأطفال الفنلنديون لا يتلقون "تعليمًا" بالمعنى المعروف قبل سن السابعة، ولكنهم في هذه الفترة يقضون الكثير من الوقت في اللعب.
07 أكتوبر 2016
7920

ترجمة تقرير No grammar schools, lots of play: the secrets of Europe’s top education system، نقلًا عن The Guardian، وفكرته تعتمد أساسًا على المقارنة بين نظام التعليم الفنلندي، ونظيره البريطاني، ولكن يمكن الاستفادة بتطبيق المقارنة على أنظمة التعليم المصرية، والعربية عامّةً، وبهذا يتضح الفارق الشاسع.

 

في عصر يوم دافئ من أيام شهر سبتمبر، يتجمع عدد من الأطفال في عمري الرابعة والخامسة في ملعب حضانة "فرانزينيا"، التي تقع في حي "كاليو" بالعاصمة الفنلندية هلسنكي، "هل ترغب في آيس كريم؟" تسأل طفلة أحد الأطفال الآخرين، بينما تتكئ بعربة المثلجات اللعبة على حافة الصندوق الرملي الذي يلعب فيه بعض الأطفال، أما مسؤولو الحضانة فيتجولون بين الأطفال، يلاحظونهم، ويتحادثون، ويدونون ملاحظاتهم على أوراق.

 

وعلى الرغم من أن لا شيء يبدو مميزًا في شكل الحضانة من الخارج، فإن حضانة "فرانزينيا" هي الكبرى في المدينة، فهي تضم 200 طفل، ولها مبنى طويل، يتسم بالكلاحة إلى حد ما؛ فقد كان مستخدمًا بكونه مبنًى جامعيًّا بُني عام 1930، ليصبح حضانة منذ العام الماضي.

 

إلا أن الأجواء المنزلية المميزة بالداخل تتغلب على أصداء بيروقراطية الماضي، فترى الحوائط مغلفة برسومات الأطفال، وترى أكوامًا من اللعب، وهنا تبدأ "معجزة" التعليم الفنلندي في التجلي.

 

فالتعليم الفنلندي يتربع على قمة تصنيفات أفضل النظم التعليمية في أوروبا منذ 16 عامًا، وتخلو فنلندا من الجدالات التي تدور في المملكة المتحدة عن الأشكال والنظم المختلفة للتعليم الأساسي، ولا زال العالم يبدي اهتمامًا كبيرًا بالتجربة الفنلندية الناجحة في التعليم.

 

ويتفق الفنلنديون على أن المدارس في النهاية تنمي معارف الطلاب الأكاديمية، ولكن الفنلنديين يرون أيضًا أن أساس الأداء الدراسي الجيد يمتد إلى مرحلة مبكّرة، إلى أعوام قبل التحاق الطفل بمدرسة نظامية، بل وربما يبدأ بينما لا يزال الطفل رضيعًا.

 

"نحن نؤمن بأن الأطفال دون سن السابعة لا يكونون مستعدين للذهاب إلى المدرسة... فهذا هو وقت الإبداع."

 

ويبدأ الأطفال الفنلنديون الدراسة، بالمعنى المعروف، متأخرًا نسبيًّا؛ فحضانة "فرانزينيا"، مثل باقي الحضانات الفنلندية، لا تركز على تعليم الأطفال الرياضيات، ولا القراءة، ولا الكتابة، وإنما تركز على اللعب الإبداعي؛ فالأطفال الفنلنديون لا يبدؤون بتلقي الدروس قبل أن يدخلوا المدارس الابتدائية في سن السابعة.

 

قد يدهش هذا أولياء الأمور الذين تسيطر عليهم فكرة أهمية البدء بالدراسة مبكّرًا والتفوق المدرسي منذ الصغر، لكن الفنلنديين أكثر تساهلًا في هذا النطاق، فكما تقول مديرة الحضانة "تينا مارجونيمي": "نحن نؤمن بأن الأطفال دون سن السابعة لا يكونون مستعدين للذهاب إلى المدرسة، فهم يحتاجون إلى وقت للعب ولممارسة النشاط الجسدي، فهذا هو وقت الإبداع.".

 

والحضانات في فنلندا ليس هدفها "التعليم" بمعنى الكلمة، ولكنها تهدف إلى بناء السلامة النفسية والجسدية لدى الأطفال؛ فهي تساعدهم على تنمية قيمهم ومهاراتهم وعاداتهم الاجتماعية الإيجابية المختلفة، مثل مهارة تكوين الصداقات، وقيمة احترام الآخرين، أو حتى مهارة أن يعتمدوا على أنفسهم في ارتداء ملابسهم.

 

كما تركز السياسة التعليمية في البلاد على أهمية "متعة التعلم" في مرحلة ما قبل المدرسة، ودعم مهارات التواصل ومهارات اللغة، مع التركيز على النشاط الجسدي، فالقاعدة أن للطفل 90 دقيقة على الأقل في اليوم للعب في مساحة مفتوحة بالخارج.

 

فيقول خبير التربية والتعليم الفنلندي "باسي سالبيرج": "الحضانات في فنلندا لا تركز على تأهيل الأطفال للمدارس أكاديميًّا، وإنما هدفها هو التأكد من الأطفال سيكونون أشخاصًا مسؤولين وسعداء في المستقبل.".

 

ولكن بالنسبة لمعلمي الحضانة، فاللعب ليس عشوئيًّا بالتأكيد، فعليهم التاكد من أن لعب الأطفال يدربهم على مهارات التعلم الأساسية المستهدفة.

 

فبحضانة "فرانزينيا"، يعمل 44 شخصًا من أجل الأطفال، منهم 16 معلمَ رياض أطفال، وكل واحد منهم درس أكاديميًّا 3 أعوام من أجل هذا التخصص، والـ 28 الباقيات هن مربيات، لدى كل واحدة منهن عامان من الخبرة المهنية، وبهذا العدد، يتوفر شخص من العاملين في الحضانة لكل 4 أطفال بين عمري العام والثلاثة أعوام، وشخص لكل 7 أطفال أكبر من سن الثلاثة أعوام.

 

فعلى العاملين بالحضانة تخطيط لعب الأطفال، ليس فقط تحديد إذا ما سيكون اللعب "حُرًّا" أم موَجَّهًا، ولكن لمتابعة الطريقة التي يلعب بها الأطفال؛ فالعاملون يقوّمون باستمرار تطور الأطفال، فـ "الأمر ليس لعبًا عشوائيًّا، وإنما هو لعب للتعلم."، كما تقول "مارجونيمي".

 

"الأمر ليس لعبًا عشوائيًّا، وإنما هو لعب للتعلم."

 

ويؤكد مدير مركز الأبحاث المختص بدور اللعب في التربية والتعلم والتطور المعرفي بجامعة كامبريدج "ديفيد وايتبريد" أن اللعب في هذه المرحلة من الطفولة يمكنه أن يعلّم الطفل الكثير؛ فبمجرد أن ينخرط الطفل في اللعب وهو مستمتع، يتشجع الطفل ذاتيًّا على تطوير لعبه وتعقيده لزيادة التحدي الذي يواجهه ويتغلب عليه.

 

ولذلك يقول "وايتبريد": "من الناحية السيكولوجية، يمكنك رؤية كيف يمكن للعب أن يجعل الأطفال أعلى قدرة على التعلم.".

 

ويضيف أن اللعب المُخَطَّط بدقة يساعد على تنمية المهارات المختلفة، مثل التركيز، وفترة الانتباه، والقدرة على حل المشاكل، والصبر، وتطور هذه المهارات في سن الرابعة هو مؤشر إلى النجاح الأكاديمي للطفل مستقبليًّا، وهو أهم من مؤشر قدرته على تعلم القراءة في هذا السن.

 

كما تشير بعض الأدلة إلى أن أعوام الطفولة الأولى الغنية بالتعلم عن طريق اللعب الجيد لا يسهم فقط في تعلم الطفل تعلمًا أفضل، ولكنه أيضًا يحفز الأطفال من الأسرة الفقيرة أو المهمشة مجتمعيًّا، الذين لا تتوافر لديهم المقومات الثقافية التي تتوافر عند أقرانهم من الأسر الأخرى، على النجاح وتحقيق الذات في مستقبلهم.

 

ويعلق "وايتبريد" على ذلك بقوله: "كلما تحسنت جودة التعلم في مرحلة ما قبل المدرسة، تكون النتيجة تطوّرًا أعلى في الجوانب الوجدانية والاجتماعية والأكاديمية لدى الطفل.".

 

ومن الصفات المهمة للتعليم الأساسي المبكّر في فنلندا هي أنه مدعمٌ ماديًّا ومصمّمٌ لكي يضم كل الأطفال؛ فكل طفل لديه الحق في تعلم جيّد قبل البدء بالمدرسة، فحضانة "فرانزينيا"، كما هي بقية الحضانات في فنلندا، تضم أطفالًا من خلفيات مختلفة.

 

فمصاريف الحضانات تقع في نطاق حضانات الدولة، والحد الأقصى لها هو 290 يورو، ومجانيّة للأسر ذات الدخل المنخفض، وتشمل المصاريف 5 أيام بالحضانة، بمعدل 40 ساعة في الأسبوع.

 

ويؤدي هذا الدعم إلى أن حوالي 40% من الأطفال في فنلندا ذوي الأعمار بين العام والأعوام الثلاثة يذهبون إلى الحضانة، وكذلك يذهب 75% من الأطفال ذوي الأعمار بين الثالثة والخامسة، أما الأطفال في عمر السادسة، فـ 98% منهم تضمهم حضانات البلاد.

 

ويعود هذا الدعم للحضانات إلى السبعينيات، حين اعتمدته الدولة بهدف تشجيع الأمهات على العمل خارج المنزل، وبمرور الوقت، أصبحت الحضانات رمزًا لـ "بدء التعلم الجيد الذي يمتد طول العمر، وأساسًا لإعداد الأطفال الصغار."، كما تقول "مارجونيمي".

 

ويصف مستشار نقابة المعلمين الفنلندية "جاكو سالو" الأعوام التي يقضيها الأطفال بالتركيز على اللعب والتواصل المجتمعي بأنها هي "الأعوام الأهم".

 

فعلى الرغم من أن قطاع التعليم الفنلندي بدأ يشهد مؤخرًا تراجعًا في حجم ميزانيته، بما يساوي 2 مليار يورو، وهو ما يعادل 8% من الميزانية، فإن ميزانيات مراحل التعلم فيما قبل المدرسة، ومراحل المدرسة الأولى، لم تهتز نسبيًّا، وذلك لعدها أساس النظام التعليمي في البلاد، والمرحلة الأهم لتنمية المهارات الأساسية لدى الأفراد، بحسب النقابة.

 

ومن العوامل الأساسية التي يعتمد عليها نظام التعليم في فنلندا، جنبًا إلى جنب مع نظام الحضانات، هو تطبيق فكرة أن المساواة شرط أساسي للنجاح الاقتصادي، والازدهار المجتمعي، والإيمان بأن دولة صغيرة مثل فنلندا تهدف إلى التنافس وسط مناخ الاقتصاد العالمي، وتعتمد في ذلك على الإبداع، والابتكار، والاستمرارية، لا يفترض بها مطلقًا أن تسمح بعدم المساواة، أو أن تسمح بالتفرقة بين مواطنيها في حقي التعلم والصحة.

 

فمن الأساسات التي ترفع نظام تعليم فنلندا إلى التفوق بامتياز، هو نظام يضمن الأمان المجتمعي والتأمين الصحي للأفراد، الذي جعل البلاد واحدة من أقل الدول من حيث معدلات فقر الأطفال في أوروبا، ومن أعلى الدول من حيث سعادة أفرادها.

 

ويؤكد هذا أستاذ التربية بجامعة هلسنكي "جونيلا هولم": "الهدف الحقيقي هو أن نحقق الازدهار لنا جميعًا.".

 

قصة نجاح نظام التعليم الفنلندي بكامله هي قصة حكاها الكثيرون حول العالم، فمن بدايات القرن الواحد والعشرين، ظهرت فنلندا معلّمة للعالم في أنظمة التعليم، وأبهرت في ذلك العالم بأسره، والفنلنديين أنفسهم.

 

وتخبرنا اختبارات البرنامج الدولي لتقييم الطلبة بأن الطلاب الفنلنديين يحققون أعلى الدرجات في الرياضيات، والعلوم، ومهارات القراءة، وعلى الرغم من أن التقارير الثلاثة الأخيرة، التي كان آخرها عام 2012، شهدت تراجعًا طفيفًا في أداء طلاب فنلندا، فإنها لا تزال على رأس البلدان الأوروبية تصنيفيًّا.

 

لا يوجد في التعليم الفنلندي امتحانات رسمية قبل سن الثامنة عشر.

 

وكان نجاح نظام التعليم الفنلندي مبنيًّا على رفض الأفكار التي بدأت تسيطر على أنظمة التعليم في الدول المتقدمة، ومنها بريطانيا، في الثمانينيات والتسعينيات.

 

فبالإضافة إلى أن الأطفال في فنلندا لا يبدؤون الدراسة قبل سن السابعة، فالنظام التعليمي يكرس تطبيق فكرة المساواة بين الأفراد على الأساس الأخلاقي والاقتصادي، وهو لذلك لا يتضمن انتقاء أطفال بعينهم للدراسة في أنظمة تعليمية بعينها، ولا حتى الفصل على أساس القدرات، ولا يوجد في التعليم الفنلندي امتحانات رسمية قبل سن الثامنة عشر.

 

وبذلك، فلا يوجد في نظام التعليم الفنلندي أفكار مثل التنافسية، والانتقائية، وقوائم الطلاب الأوائل، ولا توجد مدارس خاصة، ويرفض النظام التعليمي فكرة "المذاكرة من أجل الامتحان"، كما تخلت فنلندا منذ عشرات السنين عن نظام المدارس اللغوية التي يتصاعد تمسك الدولة البريطانية بها حاليًا، أما الوجبات الغذائية المدرسية المجانية التي تمنح للتلاميذ الصغار فقط في بريطانيا، يحصل عليها كل طالب في مختلف المراحل في فنلندا.

 

ويكاد ينعدم من فنلندا كل هذا القلق المسيطر على أولياء الأمور والطلاب، الذي يشكل المناخ التعليمي للعديد من الدول، ومنها بريطانيا، فلا يوجد قلق لدى أولياء الأمور الفنلنديين حول ما إذا كان أطفالهم سيدرسون في "مدارس جيدة" أم لا، ولا يقلقون حيال درجات أطفالهم في الامتحانات، ولا إذا ما سيكون أبناؤهم ضمن الطلبة الأوائل.

 

فالنظام التعليمي الفنلندي يضمن تأهيل أفراد بمواصفات ومهارات متساويةً، عدا الفروقات الطفيفة، في مختلف أرجاء البلاد؛ ولذلك، فنادرًا ما يضطر أولياء الأمور إلى إرسال أبنائهم إلى مدارس خارج مدينتهم.

 

أما الطلاب أنفسهم، فهم أفضل حالًا بصفة عامة، فالتعليم الذي يركز على جودة التعلم لا كميته يعني أن الساعات المدرسية أقل، والواجبات المنزلية أخف، ويعني ألا مكان للدروس بعد الدوام الدراسي، فالأطفال الفنلنديون أسعد وأكثر تحرّرًا من الضغط عن أقرانهم في بلدان أخرى، ومنها بريطانيا.

 

وبينما تستمر السياسة التعليمية في بريطانيا في أن تصبح أكثر ضحالة ومركزية، تمنح فنلندا الطلاب والمعلمين قدرات أكبر على تشكيل عملية التعلم.

 

ويتلقى المعلمون الفنلنديون مرتبات جيدة جدًّا، بعد أن يمروا بتجهيزات وتدريبات متقنة، وشرط أن يكون المعلم مجتازًا لدراسة أكاديمية تخصصية لمدة 5 أعوام، وهم يحظون بالاحترام والثقة من أولياء الأمور والسياسيين أيضًا، والنظام التعليمي يقوَّم من الداخل، على أيدي الطلاب والمعلمين، لا عن طريق هيئة خارجية مثل مكتب معايير التعليم وخدمات الأطفال ومهاراتهم ("Ofsted"، في بريطانيا)، كما تنبني طرق التربية والتعليم بناءً أساسيًّا على نتائج الدراسات والأبحاث الأكاديمية المستمرة.

 

وبما أن فنلندا أصبحت قلقة من أن تراجعها الطفيف الأخير في نتائج اختبارات البرنامج الدولي لتقييم الطلبة قد يعكس نقصًا واقعًا في مدارسها، فقد عملت على تغييرات جديدة في المناهج هذا العام، لتخصص وقتًا أكبر للفنون والحرف اليدوية، بحثُا عن هدفها الأساسي: الإبداع، وتحقيقًا لمجموعة من المهارات التعلّمية، التي تتكون من مهارة "التعلّم من أجل التعلّم"، وتعددية المعارف، والمهارات الرقميّة، ومهارات ريادة الأعمال.

 

وقد أعلن مجلس التعليم الوطني الفنلندي، بلا خجل، أن صلب المنهج الجديد يعتمد على ما يسميه الفنلنديون "متعة التعلم".


تعليقات