انشاء حساب



تسجيل الدخول



كتب بواسطة: سامح خليل
13 أبريل 2015
1715

 

هل أحب ثيودور كاثرين؟!

(1)

"ثيودور"، رجل أربعينى وسيم، بارع فى كتابة الرسائل الشخصية للأخرين، تتلبسه شخصية المُرسل بكل براعه وحرفية، ففى مدينته الحديثة، لا يوجد لدى أحدهم الوقت أو – وربما - والرغبة كى يقوم بكتابة رسالة تهنئة أو عزاء أو حتى إشتياق، فقط كل ما عليك هو أن تقوم بإرسال اسم المُرسِل والمُرسَل إليه وبعض بيانات أولية عن شخوصهم والمناسبة التى سيتم إرسال الرسالة بشأنها،  و"ثيودور" بطل فيلمنا، يفيض حباً ورقةً وحساسيةً استطاع أن يستخدمهم بشكل تقنى وحداثى مبهر فى كتابة تلك الرسائل اللافتة.

منذ عام أو أكثر بقليل انفصل "ثيودور" عن صديقة عمره و زوجته الرقيقة "كاثرين"، لعلها أصبحت فى الآونة الأخيرة وقبل الإنفصال أقل حماسة مما يجب، أقل إقبالاً وحيوية تجاه الحياة، منطفئة بعض الشئ،  وعليك أن تدرك، عزيزى القارئ،، أن ما يجب أن تكون عليه "كاثرين" من حال هو ما يحتاجه "ثيودور" ممن/مما يحيا معه كى يواصل حياته وينتج. لكن كاثرين لم تقابل تلك المتطلبات وقتها. لعل طبيعة عملها ككاتبة كانت السبب فى ذلك، ولكن على أية حال لن يرهق "ثيودور" نفسه فى محاولة للنهوض بعلاقتهما وتفهُم طبيعة "كاثرين" النفسية، فربما تبؤ تلك المحاوله بالفشل ولا وقت لديه، فالحياة قصيرة كما هو معلوم والرغبات كثيرة كما هو معلوم أيضاً.

 

(2)

 

ولحسن حظ بطلنا الوسيم كان قد تم تطوير نظام تشغيل وطرحه فى الأسواق للناس، ولكنه لم يكن مجرد نظام تشغيل عادى، فكان لديه إدراك حدسى، يفهم  وينصت ويعرف الطباع، فهو كيان واعٍ، له قدره على النمو من خلال التجارب، فجوهر هويته مأخوذ من ملايين شخصيات المبرمجين. وبالفعل اقتنى "ثيودور" واحدً، مبهر ومريح، يرتب لك الرسائل  وينظم لك المواعيد ويجمع لك المعلومات، وله قدرة على تنظيم حياتك العملية بشكل مريح. ولكن، عزيزى القارئ، لم تقف المسأله عند الحياة العمليه فقط، فـ"سامنثا" - أعنى نظام التشغيل، فقد اختار "ثيودور" له أن يكون فى صوت إمرأة -  تستطيع أن تتنبأ بحالتك المزاجيه من خلال صوتك وتناقشك وتصف لك شعورها وتتفهم شعورك وأكثر، عزيزى القارئ. أحب "ثيوردو" "سامنثا" وبادله نظام التشغيل "سامنثا" هذا الحب ، و لمَ لا؟ فقد توفرت فيها كل ما يحتاجه "ثيودور"، تقوم على شؤونه، مرحه، مقبلة على الحياة بحيوية، ويتوفر بها كل ما تعطل عند "كاثرين" زوجة بطلنا الحداثى المغوار، ولم يقف الأمرعند هذا الحد، بل بادر "ثيودور" نظام التشغيل "سامنثا" و صارحها قائلاً: "لست مستعد لخوض علاقه جاده فى الوقت الآنى"، و لعلها تقبلت.

(3)

وكأى كائن حى، يحتاج إلى التقارب الجسدى بمن يحب، واجه "ثيودور" تلك المشكلة مع محبوبته - نظام التشغيل - "سامنثا"، فـ"سامنثا" ليس لها جسد سوى قطعة معدنية أشبه بجهاز الهاتف المحمول، فحاولا تدبير جسد فتاة أخرى على سبيل الإستعارة لكن لم يستقم الأمر. ترى "سامنثا" أنها و"ثيودور" يحتويا على نفس المواد المكونو لأجسادهما مع إختلاف الشكل الظاهرى لهما. لم يقف الأمر عند هذا الحد، فاشتد حب وتعلق "ثيودور" بنظام التشغيل وأصبحت "سامنثا" شريكته فى الحياة. وفى يوم فقد "ثيودور" صديقته "سامثا" بسبب حدوث عطل فى نظام التشغيل وإخضاعه لبعض التعيدلات التى لم يعلم بطلنا بها، ففوجئ بنفسه يهيم على وجهه فى الشارع كطفل تائه ومفزوع حتى عادت له صديقته وأخبرته بذلك العارض، وقتها وجد "ثيودور" أن كثير من الناس حوله يتحدثون إلى أنظمة تشغيل، فسألها عمَ كانت تحدث أحداً غيره، فاجابته بأنها تتحدث مع 8316 شخص فى نفس الوقت التى تتحدث فيه معه وتحب 641 شخص أيضاً غيره، لعلها تلك اللحظه التى اكتشف بطلنا فيها أنه وقع فى غرام نظام تشغيل فعلاً!

 

الفراغ الروحى الذى كان يحيا فيه "ثيودور" بطل فيلم (Her) دفعه لحب نظام تشغيل، أو ربما علينا القول بأن نظام تشغيل كهذا هو الشئ الوحيد الذى يصلح لحب "ثيودور"، فـ"ثيودور" يحتاج شئ محدد يشاركه الحياة، كائن يسير وفق تقنية محددة يحتاجها ولا يحيد عنها، وتلك هى، عزيزى القارئ، مواصفات الآلات التقنية الحديثة، محددة داخلياً و خارجياً، تسير وفق نظام معين ثابت ولها إنتاجية معروفة وإحتياجات معروفة لتتغذى تلك الآله عليها حتى تقوم بعملية الإنتاج.

 

(4)

قديماً اخترع الإنسان الآلات لإخضاع الطبيعة له، لتعاونه على إستكمال مهامه فى الحياة، لكن يبدو أن تطور الأمر وأصبح الإنسان هو الذى يخضع للآلة لا إرادياً و بدون وعى منه، فقد تغللت روح الآلة فى دواخل الإنسان، حتى صار ينتهج فلسفتها فى العمل و يُنزلها على حياته فى كافة مستوياتها. فأصبحنا نتحدث عن الحب فى عصر الحداثة وما بعدها، حبٌ تقنى خالص، نحسب فيه الإحتمالات الرياضية لسعادتنا مع الآخر و المتوسط الزمنى لطول عمر العلاقة وتكلفتها المادية، بل أصبحنا نخشى مشاعرنا ونتوارى منها كأنها شئ دخيل على طبيعتنا، كأنها وصمة مقيتة وسمة ضعف. وهذا مفهوم بالبديهة، فالحب ما هو إلا أن أحمل حساسية تجاه حساسية شخص آخر لا يربطنى به شئ سوى شعور بالإنتماء بالكاد أعرف له سبب وعلنى لا و لن أعرفه، فى الوقت الذى تتطلب فيه الحداثة منا ألا نكون ضعفاء، فروح الحداثة نيتشوية لا تعترف إلا بالأقوى، فهو الأصلح بحكم الواقع، والواقع يقر كل الحقائق ولا جدال. فشعور كالحب سيعطلنى عن تحقيق رغباتى اللانهائية أو ربما على أقل تقدير سيكلفنى إنتاجية أقل، تقبُل إنسان بشرى بكل ما به من نقصان وضعف ليس أمراً سهلاً، الإيمان بشئ روحانى ميتافيزيقى وإجتماع إرادتين للنهوض به، أمرٌ مثير للقلق و الخوف فى واقع لا يعى إلا نفسه، لذا كان من الأسهل على بطل فيلمنا أن ينهى علاقته مع زوجته تلك ويبدأ علاقة أكثر ملائمة لطبيعة إحتياجاته مع نظام التشغيل!

سيناريو فيلم كهذا ليس بعيداً عن واقعنا، ربما تفصلنا عنه بضع سنوات لا أكثر، ونحن مهيأون تماماً تماماً له، نجحت الحداثة فى أن تتخلل أرواحنا وتسكّن مكانها آله صغيرة، لها تقنية محددة تجعلنا نعمل وفق فلسفتها، وتتماهى إرادتنا مع رغبات مادية لكيان أكبر من مجموعنا يحتوينا كلنا داخله، لا نعرف له هدف ولا هوية محددة، كيان يريد أن ينتج دوماً كل شئ وبشتى السبل ودونما أى هدف سوى إخضاعنا لخطوطه الإنتاجية ربما!

و لأننا نسير وفق تلك الخطوط الإنتاجية فننتج لنستهلك ونستهلك لننتج وهكذا دواليك فى دائرة مادية مفرغة، ظهرت أنماطاً جديده للحب، فظهر الحب عن بعد الذى يتجلى فى نموذج الأسرة المعولمة؛ وهى أسرة يتغيب ربها لظروف عمله فى الداخل أو الخارج ليلبى إحتياجات أسرته على الأنماط العالمية للإستهلاك. فعلى سبيل المثال، يعمل الأب أو الأم أو كلاهما ساعات إضافية ليزيد راتبهما ليلبوا إحتياجات أبناءهم الإستهالكية ومن بينها هواتف ذكية لأبناءهم ليتواصلوا بها معهما ومع أصدقائهم الذين يتغيب أباؤهم بسبب عمل إضافى لشراء تلك الإحتياجات وذلك الهاتف الذكى لنفس غرض التواصل. فتحول واقعنا إلى واقع إفتراضى غير حقيقى وفقدنا التواصل المباشر بسبب رغبة متوهمة فى التواصل، فأصبح كل شئ إفتراضى، بما فيه مشاعرنا من لحظات شغف وحزن وبكاء ودفء وحب بطبيعة الحال.

 أصبحنا أسرى الإفتراض، فرعبتنا الحقيقة و أرادنا إنكارها وتحولنا إلى إنسان آلى له جسد حيوانى. غابت لمعة أعيننا ورعشة أصواتنا ودفء أحضاننا ولحظات السكينة بقرب من نحبهم، أصبحنا لا نستطيع أن نسمع صوت أنفاسهم عندما نكون بالجوار، يبدو أن سرقت الحداثة أحبتنا!

 

(5)

ولكن يتوجب علينا السؤال الآن، هل هم حقيقةً أحبتنا؟ هل أحَب "ثيودور" زوجته صدقاً؟ أم أنه كان مجرد إحتياج لوجودها فى شكل معين وعندما غابت عن ذلك الشكل المطلوب فقدته وفقدها؟ هل جُردنا من قدرتنا على الحب فى شكله الفطرى وأصبح كل ما يربطنا بالآخر هو الرغبة فى إشباع بعض الإحتياجات فقط؟

هذه ليست دعوة للتوقف عن السعى وعدم الإنتاج ولا دعوه للكف عن التفكير المنطقى، لكنها مجرد دعوة للتأمل فى مآلات الأمور والعودة لغاية إجتماعنا الإنسانى، لا أستطيع أن أتخيل أحداً من أحفادى أحب نظاماً للتشغيل من صنع بشرىّ مثله، وتآلفت أرواحهم، يبدو أن كلمة أرواحهم هنا غير مناسبة، هل لنظام التشغيل روح؟ أصبحت أقول كلاماً غير معقول؟ على أية حال يصيبنى الأمر بالغثيان.

عظيمٌ أن تجد أحد يرغب فى فهم طبيعة روحك و يتقبلك كما أنت بكل حالاتك وإختلالاتك ومواضع نقصانك، لا يرى فيهم غير الجمال والتناسُب. مبهرٌ أن تجد أحدهم مؤمن بك وهو يعلم أنك غير كامل وأنك مجرد إحتمال، هو يقبل بجميع إحتمالاتك. يبدو أن أصبح من الأهميه بمكان أن نرجع لشعورنا الإنسانى و نزيل من عليه غبار الحداثه وصدأ الآلات الصناعية.

 

يتبع..

 

اقرأ أيضاً : يرقات (1)


تعليقات