انشاء حساب



تسجيل الدخول



كتب بواسطة: سامح خليل
03 أبريل 2015
15488

سامح خليل

 

حينما كنت طالب في المرحلة المأساوية التي تسمى رسمياً "ثانوية عامة" كان طموحي الالتحاق بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية من أجل الالتحاق بالسلك الدبلوماسي لوزارة الخارجية فيما بعد. ما حدث انني التحقت أولاً بكلية الهندسة بجامعة الاسكندرية. كان ذلك بسبب "الزن" من جانب الأسرة والعائلة لأنهم كانوا يرون أن "هندسة فلوسها أحسن وشغلها مضمون"، خرافات. إنتهى الفصل الدراسي الأول لي في السنة الاعدادية بآخر إمتحان (لا أتذكر المادة) في ٢٤ يناير عام ٢٠١١. حدث ما حدث وبدأت نفسي تراودني بمشاعر أهمها الندم الشديد على دخولي كلية الهندسة. بدأت في مواساة نفسي بكلام مثل "مش لازم تدرس في كلية سياسة عشان تشتغل في السياسة أو في الخارجية." إنتهى العام الأول بفشلي في إجتياز السنة الاعدادية ورسوبي في ٤ مواد مما كان يعني أنني يجب علي إعادة السنة الاعدادية. هنا بدأت تلوح في الأفق بوادر أفكار مفادها إمكانية تركي لكلية الهندسة والالتحاق بالكلية التي أردتها منذ البداية.

وقد كان.

أنا الآن في عامي الرابع والأخير - إن شاء الله - في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية كطالب في قسم العلوم السياسية. وهذا المقال - كما يشير عنوانه - هو محاولة لتقديم كشف حساب للكلية التي سأكون قد امضيت فيها ٤ اعوام حين ينتهي العام الدراسي الحالي. ليس الغرض منه الإنتقاص من الكلية، أو من أساتذتها، أو من زملائي. الغرض فقط هو عمل مقارنة بين ما كنت أتوقعه، وما أصبحت أتوقعه، وما يجب أن يكون، من وجهة نظري. هذا الكلام لا يعبر إلا عن رأي كاتبه. 

 

(١) الكلية 

قبل الالتحاق بالكلية كانت كلية الإقتصاد والعلوم السياسية هي "الأملة" في مخيلتي. كنت أتخيل كلية على قدر كبير من النظافة، والنظام (بدرجة كبيرة وليست كاملة) ولم يخب ظني. الكلية بحق أكثر تنظيماً ونظافةً من معظم الكليات والمؤسسات التعليمية الحكومية. في قسم شؤون الطلاب يوجد موظفون يتعاملون بقدر كبير من عدم التعقيد ويوجد لدى أغلبهم رغبة حقيقية في تقديم مساعدة حقيقية للطلاب. الحمد لله. التعقيد موجود بالطبع ولكنه على الأقل ليس نابع من رغبة الموظف في تعقيد الأمور ولكنه نابع من نظام وجهاز إداري يتسم بدرجة كبيرة من التخلف ورغبة في تعطيل المصالح. في الدور الأرضي من الكلية توجد لوحات يتم وضع أية إعلانات مهمة عليها، بالإضافة إلى شاشتين تلفزيونيتين لنفس الغرض. 

تنظم الكلية بصفة دورية ندوات في مختلف المواضيع المتصلة بمجالات الدراسة في الكلية، وتلك الندوات فرصة جيدة لمن يرغب في معرفة الكثير مما لا يذكر في الكتب الأكاديمية. 

مكتبة الكلية صغيرة، وفقيرة وليست على درجة عالية من التنظيم ولا تجد إقبالاً واسعاً من طلاب الكلية للأسباب السابق ذكرها. 

في أغلب قاعات ومدرجات الكلية توجد أجهزة تكييف، وهو أمر لو تعلمون عظيم، خاصةً في الفصل الدراسي الثاني. القاعات والمدرجات مجهزة بدرجة جيدة جداً لمختلف أدوات العرض.

يوجد في الكلية ما يسمى ال-green area، وهو ممر بين مبنى الكلية القديم ومبناها الجديد، قامت الكلية بتجهيزه ووضع العديد من الطاولات الصغيرة فيه من أجل أن يكون مكان عام للطلاب للجلوس والتلاقي الإجتماعي بشكل عام، أو المذكرة لمن أراد. توجد في الكلية أيضاً عدة شبكات "واي فاي،" بعضها مفتوح وبعضها مغلق بكلمة سر.  

بشكل العام، الكلية مكان لطيف.

 

(٢) المناهج الدراسية 

يشبه العام الأول في الكلية العام الأول في كلية الهندسة؛ يدرس الجميع المواد نفسها وذلك تأهيلاً للتخصص فيما بعد في السنة الثانية. 

في العام الثاني يختار الطالب التخصص في قسم العلوم السياسية، أو قسم الإقتصاد، أو قسم الإحصاء. تقول الأسطورة أن "قسم إقتصاد وقسم إحصاء مطلوبين أكتر وشغلهم أحسن." ما علينا. يتخصص كل طالب بناءً على رغبته، وليس بناءً على مجموع درجاته في السنة الأولى، وهذا في حد ذاته ميزة عظيمة. 

في السنة الثالثة يختار كل طالب تخصصه الفرعي، فعلى سبيل المثال كان متاح لي كطالب في قسم العلوم السياسية أن اختار الإدارة، أو الإقتصاد، أو الإحصاء، أو تطبيقات الحاسب الآلي في العلوم الإجتماعية. قمت بإختيار الإدارة كتخصص فرعي لي، وكنت أتوقع دراسة عميقة للإدارة العامة (Public Administration)، أو السياسات العامة (Public Policy)، ولكنني وجدت التركيز منصب على إدارة الموارد البشرية (Human Resources Management) وهو مجال جيد ومهم ولكنه ليس على علاقة وثيقة بمجالات العلوم السياسية.

لا أستطيع القول في المطلق بأن المناهج الدراسية في الكلية سيئة، أنا لست متخصص أكاديمي لكي أقوم بتقديم تقييم علمي سليم للمناهج، ولكني ساتحدث بناءً على خبرتي وآرائي المتواضعة. 

تبدو عقلية السلطة المصرية حاضرة بدرجةٍ كبيرة في إختيار المواد والمناهج الدراسية في الكلية، فببعض التدقيق نجد أن القيمة العلمية الحقيقية ليست موجودة في عدد كبير جداً من المواد الدراسية. هذا - بالطبع - ليس أمراً تستطيع إدارة الكلية التحكم فيه بصورة كاملة لأن السلطة الحقيقية ليست على مستوى الكلية، هي على مستوى الدولة، والدولة - في رأيي - لا ترغب في وجود خريجين دارسين للسياسة بصورة تناظر ما يحدث بالخارج، لأن هؤلاء الخريجين سيكونون صداعاً في رأس السلطة فيما بعد، ونحن نعلم جيداً أن السلطة مش بتحب البنادول. على سبيل المثال، لا يوجد كورس علمي في مجال الإقتصاد السياسي، وهو مجال في غاية الأهمية.

هناك إستثناءات طبعاً، ولكن هذه الإستثناءات سببها - في معظم الحالات - وجود دكتور متفتح يدرس المادة ويرغب في أن يحصل طلابه على قيمة علمية حقيقية، وهؤلاء نحمد الله عليهم، ولكنهم قلة.

القراءات الشخصية مهمة وهي التي تفرق بين من تعلم حقاً وبين من حصل فقط على شهادة من الكلية تفيد تخرجه منها.

 

(٣) الأساتذة 

إذا اعتبرنا الكلية نموذج مصغر للمجتمع المحيط، يؤثر في المجتمع ويتأثر به، فسنجد أن في الكلية أساتذة على قدر كبير من الثراء العلمي والفكري والقدرة على التدريس، وسنجد أيضاً اساتذة يمثلون فئة الطلاب الذين اصبحوا معيدين ثم أساتذة بسبب قدرتهم على حفظ كميات كبيرة من المعلومات ثم تفريغ تلك المعلومات في ورقة الإجابة في الإمتحانات، ومن ثم الحصول على درجات مرتفعة. هؤلاء ليس لديهم لا ثراء علمي، ولا قدرة على التدريس أو التعامل مع الطلاب. في السنة الأولى - على سبيل المثال - أراد أحد الطلاب الدخول في نقاش مع الدكتورة التي كانت تقوم بتدريس مادة مبادئ العلوم السياسية فما كان منها إلا أن قالت له "يابني أنا عندي منهج أخلصه،" وبذلك إنتهى النقاش. أسمي ذلك - في قاموسي الشخصي - "عقلية الثانوية العامة." هي عقلية تمتد من السنة الأولى في المرحلة الإبتدائية حتى الممات. هناك أساتذة آخرون يكررون طوال محاضراتهم جملة "عشان لما ييجي في الإمتحان يقولك..."، طبعاً الأستاذ هو اللي هيقولك، عقلية الثانوية العامة. هؤلاء لا يختلفون شيئاً عن المدرسين في الدروس الخصوصية في مرحلة الثانوية العامة حيث أن هدفهم هو التأهيل للإمتحان، وليس التأهيل للحياة العملية، أو الحياة الأكاديمية، أو حتى سوق العمل. 

 

(٤) الأنشطة

لعل من أهم ما يوجد في الكلية هو الأنشطة الطلابية المتاحة. يوجد في الكلية عدد كبير من نماذج المحاكاة، أبرزهم نموذج محاكاة الكونغرس الأمريكي، ونموذج محاكاة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية. هذا طبعاً بالإضافة إلى إتحاد الطلاب - الذي اتشرف بالإنتماء إليه - وENACTUS المتخصص في رياضة الأعمال، وAIESEC. توفر تلك الأنشطة فرصة للطلاب للحصول على مهارات ومعلومات مهمة للغاية لن يحصلوا عليها من الإعتماد على الدراسة فقط. تعمل إدارة الكلية على مساعدة الأنشطة بمختلف الوسائل، وأهمها توفير القاعات لفعاليات الأنشطة. 

 

(٥) التأهيل لسوق العمل 

أسوأ ما في الكلية هو حالة التوهان التي تسيطر على طلابها حينما يسألون أنفسهم: "أنا حشتغل إيه بعد الكلية؟"

للأسف، فالكلية - مثل أغلب كليات مصر - لا تؤهل طلابها لسوق العمل الذي ينتظرهم بعد التخرج، لم يعقد أحد لنا ندوة تعريفية أو محاضرة تعرفنا بمجالات العمل التي نستطيع أن نتميز فيها بعد التخرج، ولم يحدثنا أحد عن كيفية  الالتحاق بالخارجية على سبيل المثال، كل ما توصلت أنا - وزملائي - إليه كان نتاج مجهود ذاتي وبحث وقراءة.

بالطبع مجالات العمل عديدة، وأسطورة "بتوع سياسة وإقتصاد مالهمش شغل" هي مجرد هراء. لست بصدد تقديم شرح وافي لمجالات العمل المتاحة لطلاب الكلية، ولكن أبرزها وزارة الخارجية، وقطاع البنوك، وقطاعات الإدارة في المنظمات المختلفة، ومراكز الأبحات السياسية، والصحافة، ومجالات أخرى كثيرة. 

 

(٦) الخلاصة 

لحسن حظي كانت تجربة الدراسة في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية تجربة ثرية للغاية. لن أقول أنها من أفضل ما يكون، فهي ليست كذلك، ولكن أستطيع أن أقول أنها كانت تجربة مفيدة لي، وبغض النظر عن المساوئ الكثيرة - وهي مساوئ البلد وليست مساوئ الكلية فقط - فأنا تعلمت الكثير. تعلمت كيف أبحث عن وأجد المعلومة حينما لا يستطيع أستاذي أن يقدمها لي، وتعلمت تقدير الاساتذة العظام الذين تعاملوا معنا من منطلق رغبتهم في تقديم رسالة علمية وأخلاقية حقيقية لنا، حتى وإن كنت اختلف كثيراً مع بعضهم. تعلمت أن أعلم نفسي، وهذا شيء في منتهى الأهمية. 

تعرفت على أصدقاء، وأصحاب هم أهم ما حصلت عليه من الكلية، وأعلم علم اليقين أنه من الصعب معرفة أمثالهم في أماكن أخرى.

هذه خلاصة تجربتي التي استطيع التحدث عنها في صفحات عديدة، ولكن هذا أهم ما فيها.

 

هتوحشيني يا FEPS.

 

 

سامح خليل طالب بالفرقة الرابعة فى كلية الإقتصاد والعلوم السياسية، ومحرر فى شبكة شفاف.

 

 


تعليقات