انشاء حساب



تسجيل الدخول



(بريطانيا.. ثواني ما قبل الكارثة)

صورة تسخر من الشعار المعروف لرفع الروح المعنوية للبريطانيين أثناء الحرب العالمية الثانية Keep Calm
كتب بواسطة: أمير عمرو
10 يوليو 2016
1168

 

الخميس 23 يونيو 2016 قد يكون آخر يوم لشكل النظام العالمي سياسيا و اقتصاديا كما عهدناه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. استيقظ  البريطانيون يوم الخميس الماضي لتحديد مصيرهم ما إذا كانوا سيختارون البقاء في الاتحاد الأوروبي أم سيتركونه. و جاءت النتيجة بما لا تشتهى السفن ، 52% من مجموع المشاركين في الاستفتاء اختاروا ترك الاتحاد الأوروبي مقابل 48% اختاروا البقاء. هذا الاستفتاء وضع البريطانيين في مهب الريح من كافه النواحي، وأصبح البريطانيين في مواجهه المجهول داخليا و خارجيا.

 

الطريق إلى ال Brexit :-

فكره خروج بريطانيا من عباءة الاتحاد الأوروبي ليست بالفكرة الجديدة، بل إنها فكرة ترجع جذورها إلى سبعينيات القرن الماضي، منذ اللحظة الأولى التي انضمت فيها بريطانيا للاتحاد الأوروبي (أو السوق الأوروبية المشتركة كما كان يطلقون عليه وقتها) في 1 يناير 1973. حدث استفتاء مماثل عام 1975 على بقاء بريطانيا أو خروجها من الاتحاد الأوروبي، و كان سببه هو الخوف من أن التحاق بريطانيا بالاتحاد الأوروبي سيؤثر بالسلب على بريطانيا اقتصاديا من ناحية: فقدان بريطانيا القدرة على سيطرتها و سيادتها على الاقتصاد القومى الخاص بها و الفروق بين أسعار المنتجات الغذائية في السوق الأوروبية (أسعار مرتفعة) بالمقارنة بأسعار نفس المنتجات في أسواق بريطانيا (أسعار منخفضة). و كان يمثل هذه المخاوف حزب العمال البريطاني الذي كان طوال تاريخه يرى أن بريطانيا ستتأثر بالسلب من وجودها في الاتحاد الأوروبي. و لكن كانت نتيجة الاستفتاء مغايرة تماما لاستفتاء 2016، حيث أن 67% من جمهور الناخبين البريطانيين وقتها اختار البقاء في الاتحاد الأوروبي بينما 32% اختاروا ترك الاتحاد الأوروبي.

 

و لكن اليوم و بعد 41 عاما تغير كل شئ.  في بداية 2013 وعد دافيد كاميرون (رئيس الوزراء البريطاني) بإجراء استفتاء على بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي أو خروجها في حال فوز حزبه (حزب المحافظين) في انتخابات 2015. و بالفعل فاز حزب المحافظين في انتخابات 2015، و في فبراير 2016 أعلن كاميرون أنه سيتم إجراء الاستفتاء في 23 من يونيو 2016. و سمح كاميرون لوزراء حكومته أن يقوموا بالدعاية للاستفتاء و يكون لهم مطلق الحرية في تأييد أي اختيار و الدعوة له ( البقاء أو المغادرة). و كان كاميرون من أوائل الداعين إلى اختيار البقاء في الاتحاد الأوروبي و حث الناخبين على هذا الاختيار و حذر من توابع خروج بريطانيا سياسيا و اقتصاديا من الاتحاد الأوروبي. و بحسب تعبير كاميرون فإن الخروج من الاتحاد الأوروبي بمثابه "قفزة في الظلام". كما انقسمت الحكومة البريطانية نفسها ما بين وزراء مؤيدين للبقاء و آخرون يدعون للخروج. و كان من ضمن الوزراء المؤيدين لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي تريزا ماى وزيره الداخلية البريطانية، أما مايكل غوف وزير العدل البريطاني كان من الوزراء الداعين للانفصال عن الاتحاد الأوروبي.

و على الجانب الآخر كان كل من بوريس جونسون (عمدة مدينة لندن السابق و عضو البرلمان البريطاني) و نايجل فراج (زعيم حزب الاستقلال البريطاني) يتزعمان خلال ال 3 سنوات الأخيرة حملات الدعوة لمغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي. و استطاعوا بحملاتهم المكثفة و لعبهم على الوتر القومى ونغمة التأثير السلبي للمهاجرين على الاقتصاد و السياسة و الحياة الاجتماعية في بريطانيا، و فقدان بريطانيا لجزء من سيادتها نتيجة لخضوعها لقوانين اللاجئين التي يريد الاتحاد الأوروبي تطبيقها. و التهويل من التأثيرات السلبية للسياسات الاقتصادية للاتحاد الأوروبي على العمالة البريطانية و الاقتصاد البريطاني بشكل عام. ونجحت هذه الحملات في خلق شعبية كبيرة و تأييد واسع لمغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي. و لم تنجح حملات جيمس كاميرون و الكثير من وزراء الحكومة البريطانية و تحذيرات الأمريكان و الكثير من زعماء الاتحاد الأوروبي من التبعات الكارثية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من إثناء أكثرية جمهور الناخبين البريطانيين عن اختيار مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي.

 

 

 

عواقب ال Brexit:-

الاستفتاء وضع كل ما تتمتع به بريطانيا من مميزات اقتصادية و قوة سياسية على المحك. بريطانيا مهددة بفقدان الكثير من نقاط القوة التي تجعلها قوة عظمى، و قد تتحول بريطانيا نتيجة لهذا الاستفتاء إلى مجرد دولة عادية و تأثيرها  على مجريات الأمور خارجيا سيتضاءل مع الوقت.

من ناحيه العواقب الاقتصادية:

لوحت أغلب البنوك الكبرى في بريطانيا مثل اتش اس بى سى و غيرها من البنوك و شركات صناعة السيارات الأجنبية في بريطانيا- قبل الاستفتاء- بتصفية أعمالها في بريطانيا و نقلها إلى دول أخرى في أوروبا في حال كانت نتيجة الاستفتاء لصالح ترك الاتحاد الأوروبي. كما ناشدت كل من فوكسهول و تويوتا و بى.أم.دبليو و غيرها من الشركات البريطانيين باختيار البقاء في الاتحاد الأوروبي من أجل الحفاظ على الاستثمار و الوظائف. كما نشر الكثير من رجال الأعمال البريطانيين في الصحف البريطانية مناشدات للمواطنين باختيار البقاء في الاتحاد الأوروبي و الآن و بعد أن اصبح الخروج حقيقة لا فرار منها، أصبحت المسألة مجرد وقت و ليس أكثر حتى تبدأ هذه المؤسسات الاقتصادية الكبرى بتصفية أعمالها في بريطانيا، خاصة بعد أن فقدت الكثير من المجموعات الاقتصادية الكبرى في بريطانيا جزء كبير من قيمتها السوقية في الأسبوع الأول فقط الذي تلى الاستفتاء. كمجموعة "فيرجين ستور" التي فقدت ما يقرب من ثلث قيمتها السوقية. و يعنى هذا أيضا  تسريح الكثيرمن العمالة البريطانية و زيادة معدلات البطالة بنسب عالية.

 

و بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ستفقد كل المميزات الاقتصادية التي كانت تتمتع بها في ظل عضويتها في الاتحاد الأوروبي. حيث سيتم حرمان بريطانيا من الوصول إلى السوق الأوروبية المشتركة التي تضم نصف مليار شخص. و ستصبح بريطانيا مجبرة على إعادة تعريف كل اتفاقياتها الاقتصادية مع دول الاتحاد الأوروبي و مع الدول الغير أوروبية التي ترتبط مع الاتحاد الأوروبي باتفاقيات تبادل تجارى، و كانت بريطانيا تستفيد من مميزات هذه الاتفاقيات عندما كانت عضو في الاتحاد الأوروبي. بينما الآن بات من الحتمي على بريطانيا أن تدخل في مفاوضات اقتصادية جديدة مع دول آسيا : كوريا الجنوبية و الصين و اليابان و غيرها و دول أمريكا الشمالية و الوسطى و الجنوبية.

كما حذر وزير المالية البريطاني جورج اوزبورن من التبعات الكارثية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على الاقتصاد البريطاني. حيث من المتوقع أن ينخفض الإنفاق الحكومي و ينخفض الناتج القومي الإجمالي و سترتفع الضرائب بنسبة عالية لتعويض المفقود على الاقتصاد البريطاني من دخل قومي نتيجة لانغلاق السوق الأوروبية المشتركة في وجه المنتجات و البضائع البريطانية، و من المتوقع أيضا أن ينخفض معدل نمو الاقتصاد البريطاني ليصل إلى 1.5% فقط. و من تداعيات الاستفتاء السلبية الفورية على الاقتصاد البريطاني انخفاض قيمة الجنيه الاسترليني إلى أقل المستويات (و هذا لم يحدث منذ عام 1985).

و بعد ظهور نتيجة الاستفتاء لوحت بريطانيا بأنها لا تريد الخروج من السوق الأوروبي المشتركة حتى تظل تتمتع بالمزايا الاقتصادية لهذا السوق و تتجنب النتائج الاقتصادية الكارثية للخروج من السوق الأوروبي. و لكن هناك إصرار من أعضاء الاتحاد الأوروبي على أن يكون خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "خروج مؤلم" و ألا تتمتع بريطانيا بأيا مميزات اقتصادية طالما قررت ترك الاتحاد الأوروبي. حيث صرحت المستشارة الالمانية انجيلا ميركل (أنه ليس من حق البريطانيين المطالبة بأي شئ من الاتحاد الأوروبي و من غير المعقول أن تتمتع بريطانيا بالمميزات الاقتصادية للاتحاد الأوروبي دون الالتزام بأي واجبات في المقابل).

و لكن على الناحية الأخري، الداعمون و المروجون لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي و على رأسهم بوريس جونسون و نايجل فراج يشككون في التحليلات و السيناريوهات المتشائمة (السابق ذكرها) الخاصة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. فيرى الداعمون أن بريطانيا لن تتأثر بالخروج من الاتحاد الأوروبي علي هذا النحو ذلك لأنه ليس من مصلحة الدول أعضاء الاتحاد الأوروبي قطع علاقاتها الاقتصادية مع بريطانيا، في الوقت الذي تعتبر فيه بريطانيا واحدة من أكبر المستوردين للسلع و الخدمات من هذه الدول. كما أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لن يجعل بريطانيا مجبرة على المشاركة في ميزانية الاتحاد الأوروبي بملايين الجنيهات الاسترلينية كل عام.

 

 

من ناحيه التوابع السياسية:

بمجرد ظهور نتائج الاستفتاء أعلن رئيس الوزراء البريطاني استقالته من منصبه، و أنه سيستمر في عمله إلى أكتوبر المقبل حتى يتم انتخاب رئيس الوزراء الجديد (من المرجح أن يكون خليفة كاميرون هو بوريس جونسون). و صرح كاميرون أنه لن يبدأ مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي بل خليفته هو الأفضل للقيام بهذه المفاوضات.

كشفت نتائج الاستفتاء عن ما يمكن أن نطلق عليه "اختلاف جذري" في التوجهات السياسية في المجتمع البريطاني. حيث أظهر تحليل النتائج أن 64% من تصويت الناخبين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و 24 عام كان لمصلحة بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، و 45% من الناخبين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 25 و 49 عام صوتوا لصالح البقاء مقابل 34% لمصلحه الخروج. بينما جاءت نتائج تصويت الفئات العمرية الأكبر سنا على النقيض. حيث أن 49% من الناخبين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 50 ل 64 عام صوتوا لخروج بريطانيا بينما 35% اختاروا البقاء. و حوالى 58% من جملة الناخبين الذين تزيد أعمارهم عن ال 65 عام اختاروا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بينما 33% فقط اختاروا البقاء. و بمجرد ظهور تحليل نتائج الاستفتاء، اجتاحت حالة من الإحباط و الغضب بين أوساط الشباب البريطاني الذي عبر عن غضبه و رفضه لنتائج الاستفتاء بالدعوة لإعادة الاستفتاء ، و تم تجميع توقيعات أكثر من 4 مليون بريطاني على عرائض تطالب بإعادة الاستفتاء. كما أن هناك رجال قانون بريطانيين (جرانت دافيس و دافيد لامى من حزب العمال) يحاولون حث أعضاء البرلمان البريطاني على الدفع في اتجاه إعادة الاستفتاء  مستغلين هذه التوقيعات التي يتم تجميعها.

 

تلوح في الأفق من جديد بوادر انفصال اسكتلندا عن المملكة المتحدة. فبعد فشل استفتاء إنفصال اسكتلندا في 2014. تسعى الحكومة الاسكتلندية لاستغلال صدمة استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لتعيد إجراء استفتاء إنفصالها عن الاتحاد الأوروبي. خاصة و أن اسكتلندا راغبه بالاستمرار في عضويتها بالاتحاد الأوروبي بعكس بريطانيا. و أعلنت رئيس الحكومة الاسكتلندية نيكولا سترجون عن عقد مناقشات فورية مع بروكسل لحماية عضوية اسكتلندا في الاتحاد الأوروبي، كما أنه يوجد فراغ سياسي في لندن بعد استقالة كاميرون. و استقلال اسكتلندا يعنى فصل الحدود بينها و بين انجلترا و ويلز بأسلاك شائكة و أبراج حراسة و هذا شئ لم يحدث في بريطانيا منذ قرون.

 

إن استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو نقطة تغير عندها التاريخ للأبد. فبريطانيا  الآن على شفا خسارة كل مزاياها الاقتصادية و السياسية داخليا أو خارجيا سواء على المستوى الأوروبي أو على المستوى الدولى. و ستظل بريطانيا لسنوات قادمة تصارع من أجل تخليص نفسها من تبعات هذا الاستفتاء.


تعليقات