انشاء حساب



تسجيل الدخول



كتب بواسطة: سامح خليل
17 مارس 2015
1794

 

إلى يارا طارق.

مرت عدة أشهر منذ كتبت مقال للنشر العام، ومع كل حادثة أو واقعة كنت أشعر بشلل متزايد يجعلني غير قادر على التعبير بصورة مناسبة عن حجم المأساة. المأساة التى هى كل شىء محيط بنا سواء أكان فى محيطنا المباشر أو فى العالم عموما حيث أصبح الهم واحد لكل من كتب الله عليهم الهم.

 

(1)

خرج الطلاب خارج أسوار الجامعة فى تظاهرة هى من أهم وأكبر التظاهرات فى ذلك الوقت. عبرت المظاهرة شارع الجامعة وتوجهت إلى كوبرى عباس. وصل الطلاب إلى منتصف الكوبرىز بدأ الملحمة. حاصرت قوات الشرطة المظاهرة من الجانبين، ثم فتحوا الكوبرى.

كانت الأوامر قد صدرت لمأمور بندر الجيزة ومأمور بندر مصر القديمة من حكمدار الجيزة (فيزباتريك باشا) وحكمدار القاهرة (رسل باشا). كانت مطالب الطلاب متمثلة فى إلغاء معاهدة 1936 ومعاهدتى 1899.

انتهى الأمر بسقوط بعض الطلاب فى النيل، وجرح وقتل أكثر من مائتى.

خرج الطلاب، وخرجت أرواحهم معهم, وكان شعار المرحلة "دوس دوس."

هنا القاهرة.

 

(2)

"لا يوجد نظام." "نحن نريد الاستقرار, إطلاق الغاز المسيل للدموع على الطلاب رد فعل منطقى."

يبدو أن نغمة الاستقرار هى السائدة فى أوساط الخانعين القابلين للتخلى عن حرياتهم وحريات الآخرين فى سبيل الاستقرار.

كان الطلاب قد نظموا تظاهرات واعتصامات للمطالبة بإصلاحات ديمقراطية. قامت مجموعة من البلطجية بمهاجمة اعتصام الطلاب. قام البلطجية بقطع اللافتات, وتمزيق الخيام, وقام بعضهم بالإعتداء جنسيا على بعض الطالبات.

نفت الشرطة أية علاقة بينها وبين أفعال هؤلاء البلطجية.

هنا هونغ كونغ.

دوس دوس.

 

(3)

تم العثور على بقايا الطلاب الثلاثة وأربعون الذين كانوا قد اختفوا فى غمار أحداث فى منتهى العنف ضربت المدينة. أشارت التحقيقات إلى أن الطلاب كان قد تم إلقاء القبض عليهم فى أعقاب إحدى التظاهرات الطلابية، وبعد وضعهم قيد الإحتجاز قامت قوات الشرطة بتتسليمهم إلى عصابة من تجار المخدرات. قامت العصابة بإعدامهم، ثم حرقهم، ثم رموا بقاياهم فى النهر.

يشير تحقيق آخر قامت به جهة أجنبية أن الحكومة قامت بالكذب فى تحقيقاتها لكى تقوم بالتغطية على إهمالها الجسيم. يشير ذلك التحقيق إلى ترك الحكومة مسرح الجريمة غير محمى مما جعل من السهل جدا على أى شخص يريد إخفاء آثار مهمة للجريمة أن يقوم بذلك.

هنا المكسيك.

دوس دوس.

 

(4)

بعد مهاجمة بعض الطلاب الأغبياء لكلية الحقوق وعميدها، دخلت قوات الشرطة حرم الجامعة, وعاثت فى الأرض فسادا. قامت القوات بإلقاء القبض على عشرات الطلاب (تم إخلاء سبيل طالبين منهم فى اليوم ذاته حيث أن والد أحدهم ضابط بالمخابرات ووالد الآخر ضابط بالجيش), وقتلت طالبين.

اتهمت النيابة الطلاب بأحد عشر اتهاما أهمهم المشاركة فى القتل, والمشاركة فى إحداث إصابات, والإنتماء إلى جماعة إرهابية, وإتلاف المال العام. بالطبع، كانت الشرطة بريئة.

جدير بالذكر أن العديد من هؤلاء الطلاب تم القبض عليهم خارج الجامعة أصلا, منهم من كان فى طريقه إلى بيته, ومنهم من كان قد ذهب للبحث عن صديقه بعد أن علم بالقبض عليه.

من السادس عشر من يناير حتى منتصف سبتمبر كان هؤلاء الطلاي محبوسون احتياطيا، وتم الإفراج عنهم بعد زيارة ممثل أولياء نعمة النظام وقبل ذهاب ممثل النظام إلى الأمم المتحدة للتحدث أمامها.

مصر لن تركع.

هنا جامعة القاهرة. دوس دوس.

 

(5)

خرجت من جامعتها الموقرة، وركضت كى تلحق بالحافلة التى كان من المفترض أن تأخذها إلى بيتها, ويا ليتها لم تخرج. سقطت خلف الحافلة التى كانت تسير إلى الخلف، وبينما كانت على الأرض أتت حافلة أخرى عليها. أترك بقية التفاصيل لخيال القارىء.

جامعة بحجم وسمعة جامعتها لم تقم بتخطيط جراج الحافلات بحيث يتم تلافى حوادث من هذا النوع.

سيارة الإسعاف التى كانتت على بعد مئات الأمتار لم تظهر إلا بعد مضى ربع ساعة, كان لابد أولا أن يتأكدوا من أن الطالبة مقيدة فى الجامعة وليست من جامعة أخرى، الكارنيه مهم، الكارنيه مهم حتى وإن كان الثمن روح بريئة.

هنا الجامعة الألمانية بالقاهرة.

دوس دوس.

 

(6)

قام الطلاب بالإعلان عن الإعتصام داخل الجامعة حتى تتم الإستجابة لمطالبهم: مسائلة قسم النقل كله, وتغيرات جذرية فى نظام الأمن والركن فى الجامعة. أعلنوا أيضا عن مقاطعة المحاضرات والإمتحانات. مطالب بسيطة لا ترغب إدارة الجامعة الموقرة فى الإستجابة لها. المهم فلوسهم.

رأت الإدارة أنه من الكافى إعلان حالة الحداد فى الجامعة لمدة ثلاث أيام.

هنا العقلية المصرية، فى الجامعة الألمانية.

 

(7)

يظهر رئيس الجامعة فى سيارته الفارهة وهو مستاء للغاية من محاصرة الطلاب لسيارته.

طلب الرئيس من السائق أن يسير، فيقول له السائق أن هناك طلاب يعترضون مسيرة السيارة, فيرد الرئيس بكل تلقائية "دوس دوس."

دوس دوس.

 

قائمة الجرائم لا تنتهي، ومن الممكن أن نخصص لها بدل المقال الواحد مئة مقال. 

إلى روح كل من ذهب ضحية للإستبداد، والظلم, والإهمال. إلى روح كل من حاول.

 

إلى يارا طارق.

 

* في أثناء كتابة المقال تم الإعلان عن إستجابة إدارة الجامعة الألمانية لمطالب الطلاب، ومن ثم تم فض الإعتصام وإنهاء الإضراب.

 

سامح خليل طالب في الفرقة الرابعة بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وعضو بإتحاد طلاب الكلية، ومسؤول قسم المقالات في شبكة شفاف. 

 


تعليقات