انشاء حساب



تسجيل الدخول



كتب بواسطة: إسلام كرار
28 مايو 2016
1633

" الحنين، استرجاع للفصل الأجمل في الحكاية : الفصل الأول المرتجل بكفاءة البديهة"                 محمود درويش



يسند ظهره علي سور قد تهدم أكثر من نصفه من القصف الذي طاله ،وبدأت جروحه تنزف وتمر الدماء من جرح للأخر كأنها تريد أن تضمد بعضها بعض ،وبدأ يشعر بأنها نهاية جسده فقد مرت روحه وعقله بعدة نهايات وبقي جسده والآن بدأت نهايات الجسد ،فأخذ بتذكر البدايات ويحن إلي الفصل الأول من الحكاية .

ثقيلة تلك الرمال التي أغرس قدمي فيها ..قد ذهبت في رحلات عدة إلي الصحاري ومشيت وركضت فيها ولكن تلك الرمال مختلفة ،أشعر أنها تريد أن تنهكني وتُحملني مشقة الطريق ،وتلك الرياح التي تعصف بوجهي وتحمل حرارة أهلها ،وربما تلك حرارة حرباً تقام وتأتيني حرارتها برسالة بإن الأمر ليس بهيناً
 .. في كل مدخل نمر به كان هناك من يبتسمون في وجوهنا ويربطون علي أكتافنا بشدة فلغة الجسد رسائل ثقيلة تحمل كلمات لا تصاغ في كلمات ولكنها تبقي عالقة في الذاكرة وننفضها كل حين بعفوية علي من حولنا .. شعور لا يوصف مع حَمل أول سلاح شعور يمزج ما بين الأقدام علي شيء والخوف منه ،وكنت أحاول مقارنة ذلك الشعور بأي شعور مر بي في عمري ولم أجد شيء .

,,,,,,,,,

دائماً ما كنت اعتقد أني سأموت وأنا أُعد لحن قد تعلقت به وأعددت له كل خبرتي التي اكتسبتها ،فكلما بدأت في عمل  مقطوعة موسيقية لم أشعر اتجاهها بإني متعلق بها فأقول لنفسي لم يحن الوقت بعد .
-ما أكثر شيء أنجزته وتلمع عينك كلما تذكرته ؟ 
وقفت على مسارح العالم وأشتركت في كثير من المقطوعات التي تصنف أنها جزء من جدار الموسيقي ،لا أُخفي عليك متعتي برؤية جمهوري وهم ينقلون لي شغفهم بما أقدمه ومدي تأثرهم ،ولكن دائماً ما تلمع عيني كلما تذكرت أول لمسات علي الجيتار علي مسرح وأمام جمهور ،وأناانظر للحضور ثم أستجمع تركيزي في استجلاب كيفية العزف وكأن سنين الدراسة الأربعة التي أمسكت فيها الجيتار ولم أفارقه كأنها لم تكن ،فأبدأ العزف ثم أنظر لكل الحضور وأتفحص وجوههم ،إيماءاتهم كنت أبحث عن نظرة رضا وعن ابتسامة متعة وعن دهشة ،وكنت أخشى أن ألقي نظرة ضجر أو لحظة رحيل أحدهم أو ابتسامة شفقة .. كانت كل حواسي منتبهة وايقاع ضربات قلبي جزء من الأوركيسترا ،ولم تكن لدي حسابات للمكاسب ولم أهتم بجودة المعدات ولا ديكور المسرح ولم أستهدف أعداد ضخمة بل كل ما في الأمر أني كنت أنتظر ود الجمهور وكنت أتمني أن تتخلل ألحاني شعورهم فتسكنه .

..............
-قد صرحت بإن ذلك سيكون أخر أعمالك الفنية .. لقد توجت على عرش السينما وصنعت أعمال يعبر الزمن من خلالها فيتغير ويتغير كل من يشاهدها فمن لم يدخل قاعات السينما ليُشاهد أعمالك ويخرج منها  كمان كان ،ولم يشعر أن شيء ما تسلل منه داخل المشاهد وترك شيئاً عالقاً في ذهنه فإنه حقاً لم يشاهدها .. ماذا تقول للتاريخ قبل أن تغادر من كواليسه  ؟
- دعني أحكي لك عن قصة شاب تربى بين حاجزين عسكريين ،وفي وسط الحواجز تتفلت منه ابتسامة مرح ،وأنات تُبعثر أثناء ركده في ساحات المدينة  ،ومشاهد قد صنعها في منطقة نائية في خياله حتى لا تهتز من الاحداث التي تمر به كبندقية تطلق النيران بعشوائية علي منازل خاوية ،ليس هدفها أن تُسقط قتيلاً بل تريد أن تسقط ذاكرتنا وخيالنا وتحتله ولم يبقى فيه سوى تلك المشاهد .. كان يقرأ قصاصات أوراق قد مزقها جندي من أحد المجلات السينمائية وكانت تتردد أمامه كلمة مشهد فعندما سأل مُدرس اللغة قال له أن معناها "الحضور ومكان يَشهد على ما حدث "،كل ما مر به بعدها من مشاهد كان يُعدل عليها ويتخيل عازف كَمَأن يقف وراءه ويمهد له الاحداث ويُكمل ضجيج السكون .. كان ذلك الولد حينها أمهر من أن يكتب شيء كان أصدق وكانت عيناه ترى الحقيقة وفي بعض الأحيان تصنعها وتُعدل على الزيف ،فتلك المشاهد هي من جعلته من هو فليس له من الأمر شيء . 
 

" الحنين وجع لا يحن الى وجع هو الوجع الذي يسببه الهواء النقي القادم من اعالي جبل بعيد ..وجع البحث عن فرح سابق لكنه وجع من نوع صحي لأنه يذكرنا بأننا مرضى بالأمل…وعاطفيون !!  "           

 

 


تعليقات