انشاء حساب



تسجيل الدخول



كتب بواسطة: سامح خليل
03 مارس 2015
2667

 (1)

أصبَحت حياة الكائِن المُقترَن بالجنسية المصرية بَين شريط أحَمر أسفَل شاشة صُندوق المأسى مُقترِن بكَلِمَة عاجِل و تِعداد قتلى أو مُصابين فى أى حدث أناء الليل و أطراف النهار، و شَريط أسوَد بدرجَة مَيل 45 أعلى يسار الشاشة، حتى أصبحنا نَحمِد الخالِق أن العَدد مَحدود "مهما كان العدد" و نشكُر السيد الرئيس و ندعو لَه أن يوفقُه الله لما يُحِبُه و يرضاه.

(2)

يجلِس على الرِمال مُلطخاً بدِماء زُملائُه فى الكتيبة بعَد هجوم و الدموع لا تُفارِق عيناه فى صَمت دامِس لا حدود له، و أخذ عقلُه يتسأل لِماذا نحن هُنا؟ قد قيل لنا أننا هُنا لنُحارِب الإرهاب الذى يُهَدِد الدولة، ولكن أليس من الضرورى أن نكون على قدر من القوة للتصدى لهذا الخطر، فنَحن لم نتلقى التدريبات أو التعليمات أو الخِطط الإستراتيجية التى تُؤهلنا للتصدى هذا الشبخ الراديكالى، فأنا لا أعرِف كِيف يُمكننى التصويب بدِقة على الهدف ولا أرتدى دِرع واقى مِن الرصاص ولا تتوافَر لنا خِطة للإنسحاب الأمِن أو توجَد تغطية جويَة فى حالة الهجوم المفاجئ علينا.

هذه ليست المرة الأولى التى يسيل فيها دمائنا على أيدى أرباب الرايات السود، ولا أجِد من قيادتنا أى تضامُن قوى اللهجة مَع ذوينا، ففى عهد مُرسى تصَدت القوات الإسرائيلية لقاتلى الجنود و خرج مُدير المُخابرات العامة لإبداء إنزعاجُه عن كيفية هجوم عناصر من المُسلمين على عدد من المُجندين فى نهار شَهر رمضان المُحَرم!  وتكَررت فى كرم القواديس و رفح و الشيخ زويد وغيرها دون أن يهتَز جَفن لأحد،  يخرُج السادة على شاشات التِلفاز بملابس أنيقة مُتباهين أن المجندين شَهدوا أن لا إله إلا الله قبل أن تَعود أرواحهُم إلى بارِئها.

 و ماذا بعد يا سيدى ألن تُطالب بتوفير غطاء قوى لنا لنستطيع أن نحمى أنفُسنا أولاً والأرض ثانياً، ألن تُطالب بتوفير عمليات تدريبية لنا لنستطيع مواجهة هذا الخطر لنستحِق أن نكون جنود فى الحربية ليس مُجرد أرقام فى كشوفات المشرحة.

(3)

 ولكِن توقفت عيناه لوهله وأخذ يتذكر شَكل زُملاؤه العساكر القاطنين فى ميادين العاصِمة يتذكر عتاد المُجنزرات التى تطوف ميدان التحرير شرقاً وطلعت حرب غرباً، كيف يتعامل بكُل شِدَة و حَسم مع فتاة تقِف على إحدى جنبات الطريق تحمِل الورود و كلِمَة بالكاد تُذكِرها بما كانت تُطالب بِه من 4 سنوات، كيف لوزير الداخلية أن ينتفِض و يأمُر القيادات أنه من الضرورى أن يصطف العساكر فى شَكل مَهيب بعد أن يتم فض التظاهرة السلمية لأن هذا الإصطفاف يُضفى شَكلاً رائعاً و يُعطى بريقاً و قوة للقوات، يتذكر الظُباط المُقنعين على أبواب الجامِعات التى بالكاد يخرُج مِنها شباب فى بداية العقد الثانى من العُمر يهتفون ضِد قرارات سياسية وإقتصادية تحرمهُم من وَطن قد رُسم لهُم فى مخيلتهِم بعد الخامس و العشرون من كانون الثانى، هؤلاء الشباب من الصَعب أن ينسوا ماذا حدث فى هذا الوطن أو ماذا تمنوا للوطن أن يكون، فقد مسَهُم الحُلم مرَة.

(4)

و بَعد أن عاد لمنزله لكن يَعُود لرُشده قليلاً وَجد عَدد من الشباب قد حُكم عليهُم بالسجن لمُدد تتراوح ما بين ثلاث وخَمس سنوات بسبب نزولهُم لمطالبة السادة القائمين على صياغة الدستور بإلغاء المحاكمات العسكرية للمدنين دون أى محاولة منهُم للعُنف ضِد الشرطة المحيطة بهِم من كُل حدب و صوب.

(5)

تَرك كُل شئ مِن المُمكِن أن يكون سَبب فى إزدياد تلوث ما تبقى من قطرات فى عينيه، و إتخذ قرار بأن يسير هائماً فى شوارِع مصر المطموسة، فوجد كلباً مُقيد ينبح بكُل ما تمتلِك أحبالُه الصوتية من قوُة فى محاولة بائسة مِنُه لطلب النجدَة من بعض المسوخ التى إعتادت أعينهُم على إختلاط الدَم بحبات الرمل و تتملكهُم نشوَه الإنتصار بعد قتلهُم لهذا الكائِن الوفى لنسل خَسيس.

و لكِنَه إصطدم بِمَن شعروا بأن البوح بالألم من هذه الكارِثة ما هو إلا مُجرد تحايُل على ما تبقى مِن إنسانية، وأنه أصبح من المُعتاد أن نرى دماء البشر فى الشوارع بشكل مُستدام فلِما الألم على كائن الكلب، و هنا توقف ليتمنى أن يكون مكان هذا الكلب و يستشعر قمة الراحة التى يستمتع بها هذا الكلب الأن بين يدى الله.

كُل ما أتمناه أن أكون على قدر القوة من مواجهة عدوى، ولكِن يجب أن أعرِف ما هى هُوية عدوى فى الأساس، فليس كُل من إختلف فى الرأى معى يُعتد كعدو و ليس كُل من يتشدق بأننى فلذة كبدُه يعتد قائد و داعم و مُسانِد، فشتان الفارِق ما بين المهموم بأمور العامة والمهموم بكيفية تثبيت براثنُه فى سُلطة الهاوية.

 

الصورة: عقارب الساعة، كاريكاتير أمجد رسمى


تعليقات