انشاء حساب



تسجيل الدخول



كتب بواسطة: سامح خليل
23 فبراير 2015
3820

(كُتِبت هذه الرسالة فى فجر يوم الجمعة الثانى و العشرين من فبراير 2015،ولأنها تحتوى على أكثر من ألفي كلمة فأنصح الجميع بمراجعة أنفسهم قبل أن يشرعوا بالقراءة)

(1)

حين كنا صغارًا كان معظمنا يكره شرب اللبن، وكأننا اتفقنا فجأة أن هناك شيئًا كريهًا ظهر فى ذلك الشراب الذى كنا لا نفارقه فى أولِ عامين من سنواتنا المعدودة. أفقدنا البكاء الشديد جراء الفطام الرغبة فى العودة مرة أخرى لتجربة طعم اللبن. فقط لأننا تألمنا من فقدانه. ربما كرهناه لأننا نخاف التعلق به ثانية فنبكى كما بكينا ساعة الفطام. تسير حياتنا بتلك الوتيرة.

يتحول الإنسان إلى كائن هش فى فترة المراهقة. مرحلة يتحول فيها الطفل/الطفلة إلى رجلٍ جديد/سيدة يافعة على حين غفلة. الامهات و الآباء لا يقدرون على مجاراة مشاعرهم الفياضة، وإحساساتهم العميقة بفقد روح الطفولة. ينتظرون حبًا جديدًا لكى يرتفعوا من جديد.يبحثون..

هذا حديث يعبر عنى، و بسبب ذلك فقد تستطيع أن تسميه ما تُريد فلا فرق. لأن هذا النوع من الكتابات لا يُمكن أن تتخلص منه، وحتى و إن واتتك أفكار جديدة أكثر تفسيرية فإنه يظل جزء منك يتأرجح داخل الكلمات القديمة. هذا هو المعهود: لا قديم، ولاجديد تحت الشمس. كل الأشياء قديمة و جديدة فى ذات الوقت.

ربما ليس نوعًا من القصة أو الرواية أو المقال أو أي قالبٍ أدبى معروف، وبما أننا نحتاج أن نكتب كثيرًا بعد تلك الحوادث العظيمة التى مررنا بها – أو مرت هى بنا - فلربما نُسميها "حكاية ذاتية" لكى نستطيع أن نواكب هؤلاء المولوعون بالتصنيف لا أكثر.."حكاية". حسنًا. سمّهِ حكاية لأننى أحب الحكايات؛ و أؤمن بأربعة أشياء تتعلق بها : الأولى أنها جزءٌ قديرٌ من ذواتنا لا يمكن حكايته دون ان تحدِث خدوش و أحيانًا شروخ، و الثانية أن تلك الرتوش التى نضيفها على الحكايات - وتلك ليست فتوى - لا تدخل فى باب الكذب بالمرة ، والثالثة أنه من لا يستطيع أن يحكى يفقد القدرة على الحياة وسيموت وحيدًا كما قرر هو سلفًا.

ربما كانت الجملة الإعتراضية فى الفقرة السابقة جزءًا من مراعاتى عدم تنفير الناس مما أكتب، وهذا هو الشيء الرابع: فالحكاية تحتاج لحلقة دافئة من المستمعين لكى تكتمل. الحكايات لا يُمكن أن تكتمل أبدًا. فما إن ينتهى الحكاواتى الأول حتى يبدأ الآخرون فى التأليف. تقول الجميلة رضوى عاشور :"الحكايات التى تنتهى..لا تنتهى مادامت قابلة لأن تُروى."

(2)
"حبيبى من الريف جاءْ
وأحكى لهم عنكِ
حتى ينامُ على الغربِ وجهُ القمرْ
وتستوطن الريحُ قلبَ  الشجرْ
وحين أعودُ أقولُ لنفسى
غدًا
سأقولُ لها كل شيء" ، أحمد عبد المعطى حجازى،(مدينةٌ بلا قلب)


(3)
بعد ان شربنا اللبن، وإنتقل كل منا إلى حضن أمه تُهدهده قليلًا قليلًا، وتحضنه إحتضانًا رقيقًا يقولون أنه يؤثر إيجابيًا على تكوين الطفل النفسى و العقلى فى كافة مراحل نموه - تلك الجملة الأخيرة تتعلق بالأحضان للصغار، وليس هناك دلائل علمية على سريانها على الكبار - بدأنا نشاكس الحُب فشاكسنا. عادانا فانحنينا أمامه كزهور مستسلمة لقدرها المحتوم. إن لم يكن هذا قاسيًا فإنك إذا عصرت الزهرة فى مراحل ذبولها الأخيرة ستجد بعض الماء يخرج منها. تُرى لماذا لم تستخدمه قبل أن تستلسم؟! هل صدقت فعلًا أن تلك الزهرات الجميلات غبية لتلك الدرجة؟! لو صدقت فستكون بحاجة إلى سماع كثير من الحكايات..لقد تعودت الزهور أن تكون ضعيفة – وترى فى ذلك ميزتها-  لا أن تكون قابلةً للكسر.

لابد أن الحياة تعبر، فى العقد الثالث من حياتك، تسير بخُطي متسارعة كأنك قطار الإسكندرية - المنصورة الليلى الجميل الذى ستحبه رغم أنك لم تستقله إلا مرةً واحدةً، وحتى وإن كنت من مستقِلى سكك حديد مصر فسيقولون لك أن القطارات الليلية تعطى شعورًا بالأمل، وليس هناك دليلًا "علميًا" قويًا يُبرهن ذلك، و لذلك ففى أخر محطة قبل الوصول للمنصورة، وأمام ابنهما الرضيع، كانت الزوجة قد أسرعت فى اختطاف بعض القبلات من زوجها قبل وصولهم حين لم تدرك أنه مازال هناك شخصًا يقبع فى آخر العربة رقم 72217، وأنه على وشك الإنزلاق من كرسيه حتى لا يرى الزوج وهو يواجه زوجته بابتسامات كثيرة مفاجئة،وربما أكثر..

(4)
"و مضت تُلوح لى.فلوحّتُ
والأفق لا فوقٌ.ولا تحتُ.
وعلى خيالى.طيفُ فاتنةٍ
مرتْ.كأن خيالها نحتُ"،إيهاب البشبيشى (شهادة)

(5)

لأربع سنوات كنت ضيفًا ثقيلًا بحق على الكلية والمدينة الجامعية. تقريبًا صرخت فى وجه الجميع، وإن كنت تعتقد أن السطور الآتية سوف تكون إعلانًا للتوبة فقد يخيب ظنك؛ لأننى حتى الآن لم أندم على أى شيء من هذا، ولو عاد بى الأمر لصرخت أكثر و أكثر فى وجه كل ما لا يُعجبنى لا لأننى أكره الناس بل لاعتقادى الأصيل بحق الإنسان فى الصراخ كما حقه فى التنفس.كل ما فى الأمر أننى كنت بحاجة إلى مزيد من الهدوء.

الاقامة فى المدن الجامعية غريبة.غريبة كقمر الحقل الأصفر الذى يظهر فى السماء عقب سقوط المطر. غريبٌ هو لا لأنه أقرب للشموس منه للأقمار بل لأنه لا يستحيى أن يُظهر تمرده بهدوء فى ذلك الجو العاصف. ماذا يُريد أن يقول؟ هل يُحيينا؟

الحكايات قد لا يكون من عيوبها أنها غير مرتبة لأن كل منا سيجد رابطًا بين الأشياء. ولذلك نترك القمر ونعود للمدينة التى علمتنا عدم الإنتماء للأشياء والتعلق بها كثيرًا. حكمة ستتشربها: كل شيء سيتغير، أو سيختفى ككل الأشياء التى تختفى.لا مساحة حقيقة: أسماء من قبلك وآثارهم وأفكارهم ومواعيدهم التى لا يريدون فواتها مازالت مسجلة على الحوائط لا تكف عن الإطلال عليك من الماضى كطفل مرعوب لتجعلك تفكر ألف ألف مرة قبل أن تستعد للإنتماء. لا تحب ملمس سريرك، ولا تحب منظر الأشجار أو الورود أمام نافذتك لأن هذا سيزول (لازلت أتذكر ملمس أول سرير نمت عليه فى المدينة الجامعية، وكذلك الورود الصفراء التى كانت تُطل عليَ مع الشمس فى العام الماضى)، ولذلك أحرص ألا تترك أثرًا على الأشياء حتى لا تصبح مثيرًا لشفقة الآخرين ممن سيأتوا بعدك ويتهموك بالتفاهة و الفراغ لأنك كتبت اسمك على حائط ليس من حوائط منزلك البعيد لأنك تُريد أن تجعله ينتمى إليك عنوة. ما العيب أن نمارس بعض الفراغِ لنملأ به جزءًا من الفراغ؟ لن يفهم أحد معنى أن هناك مراهقًا يعيش بعيد عن أهله ليقيم فى نزلٍ جامعي. سيتحول هذا الرجل الصغير عن مراهقته قريبًا. لكن الأشياء و هى تختفى ببطء ستضيف خدشًا هائلًا مثل تلك الخدوش التى تصيب أجساد من يكابدون الحكايات..

لأنه لم يجد مساحة أخرى يعبر فيها عن غضبه، ملأ أحد زوار غرفتى الحائط عويلًا و صراخًا. ورغم ما يصيبك من ضحك حين تتصور شخصًا يكتب على حائط غرفة شعارات تنادى بسقوط الجميع، أو بجدية يقرض شعرًا ركيكًا بالعامية يعارض فيه من يفعل أى شيء، ولا ينسى ان يدافع فيه عن نفسه ستعلم جيدًا ما يصاحب هذا الضحك من حزن كئيب حين تقف أمام متجر الدهانات، و تتراجع عن فكرة شراء طلاء جديد لإزالة ما كتبه إنسان ما عُنْوه وبغير وجه حق. علمت أننى لا أفعل شيئًا مختلفًا.

(6)

"فأمسيتُ طيرًا هوي من سماءٍ.
على أوهنِ القدمينِ حَجَلْ.
وخِلّفَنى بين نورٍ و نارٍ.
وقال: لكلِ لقاءٍ أجَلْ." – أحمد شلبى

(العابر)

عودة.حسنًا..فى ذلك اليوم الذى شربنا فيه اللبن، وضرَبَنَا الحُب فيه بإتزانه ووقاره، وبعد أن تم إحتضان جميع الأطفال قررت ونصحت الجميع بناءًا على هذا القرار أنه لابد أن نعود لبيوتنا فى أسرع وقت، ومع أنى لم أجد الجميع لأنصحهم فقد حرصت أن أستمر فى حكاية تلك الإضافات البديعة كما اعتدت. فى ذلك اليوم قابلت فارس،هاديٌ،صوته – ويمكن أن تقول- أنه كصوتِ طفلٍ يستحى أن يُظهر رجولته. ثلاثينيّ بشارب حكيم ووجه مُتعب.

و لأنه ليس كل الحكايات يرغب المستمعون فى إستكمال تأليفها فقد توقف خيالنا عند واقعه اصطدام لسبع سيارات كبيرة أوقفت الطريق. لم نرد أن نتخيل أكثر من مُجرد اصطدام. أعطينا الطريق أربع ساعات من أعمارنا، ورغبةً فى استكمال التأليف فإنه فى نفس الوقت غادر رجلٌ أربعينيّ لا يكف عن مداعبة خصلات شعره مصر متوجهًا إلى إحدى العواصم الأوروبية. وصل هذا الرجل لوجهته وأخذ دشًا ساخنًا وبدأ فى الإسترخاء، وفى اللحظة التى بدأ هو فيها بالإسترخاء قابلت "فارس" على موقف سيارات لم أجد فيها أى وسيلة لتقلنى. لم تمنعنى دراجته البخارية أن أسأله عن وجهته. عرض عليّ المساعدة، وأن تساعد شخص لا تعرفه فى هذا الوقت المتأخر شيء نادر. رأيت فى الطريق سيارة ضحمة مكتوبٌ عليها: "إحنا فى زمن المادة وراح زمن المودة" فأعجبتنى بلاغته وثقته المتأرجحة. قد يتركوك لكى تتعفن ببطء فى البرد لأن هناك نسبة ولو كانت قليلة أن تكون لصًا جرئيًا أو قاتلًا محترفًا. وصلت هناك فى الفجر تقريبًا مع أنى لم أكن مضطرًا أن أسافر فى تلك الساعة المتأخرة من الليل، ولكنى كنت راضيًا بفعل هذا رغم أنه أرهقنى، ولأول مرة لم يضطر السائق ألا يوقظنى ويسألنى عن وجهتى بعد أن نزل الجميع من السيارة. أيُ وهنٍ أصاب قلبك المُرتاح يا صغيرى؟

(7)
"ومتى القلبُ من الخفقانِ اطمئن؟"،أمل دُنقل.

(8)

أحمل حقيبتين: على كتفى والأخرى بيدى. ركبت وراءه كما يركب الفارس المغوار حصانه فى زهوٍ و افتخار أو قل كما يركب الفلاح حماره فى تواضع ورضا، لم أتذكر متى كانت آخر مرة شعرت فيها بالبرد لدرجة الاهتزاز. لاحظ هو إرتعاش دراجته، أو أنه لم يلحظ.فتوقف، أو ربما لم يتوقف.ثم تعجب من سبب الإهتزاز، أو أنه لم يتعجب. ثم سألنى،أو انه لم يسألنى..أحيانًا تحتاج أن تتجاهل بعض التفاصيل لكى تتمكن من الإستمتاع بالحكاية. الحكايات تفقد رونقها بكثرة الأسئلة، وتلك هى نفسها الأسئلة المحرجة التى يسألها النقاد الأدبيون لكاتبى الرواية حين يجدون الخادمات، وعاملى الإسطبلات يتحدثون فى الفلسفة، ويسألون أسئلة وجودية مع أن الأدب لم يُخلَق إلى لكى يُكمل الإنسان نقصه بالحديث عن أشياء رائعة ليست حقيقية. الشعر لا يستطيع أن يتخلى عن شاعريته وإلا أصبح شيئًا آخر. لذلك أنصح شاربو اللبن الأعزاء أن يحاولوا كتابة مزيدًا من الشعر حتى يتمكنوا من البقاء حتى لو كان ركيكًا أما إن كان فاقدًا للقافية فهذا آخرُ شيءٍ يُمكنهم الاعتناء به. يمكنكم تجريب كتابة بيت بالعامية و آخر بالفصحى. ستجد ذلك جميلًا و شاقًا فى البداية.                   

أردت الحديث ولم أستطيع فقررت أن أغمض عينى للبرودة لتسرى فيما اختارت لنفسها أن تكون. اعترفت لها بحق تقرير المصير، وعندما قررت أن أذيب الثلج علمت أن هذا الجو أبرد من أن يُذيب ثلجًا، وأننى كنت مخطئًا حين ظننت أنه لم يذيب الثلج بحميميته الشديدة تجاهى رغم أنه لم ير وجهى تقريبًا. سألته عن اسمه فقال: "فارس"،وعن عمله: "لا..أنا بشتغل دليفرى فى كنتاكى." لا أعلم لما بدأ كلامه بـ "لا". هل يبدى إعتراضه؟ أم أنه أراد ألا يشعر بالرضا؟

بعدها لم أستطع ان أتوقف عن سب الزمان الذى يصبح الفرسان النبلاء الذين يضمدون جراح الناس فى أوقات الاحتياج موصلى طلبات لأناس أصابوا بالتخمه منذ زمنٍ بعيد. كان الإسم لافتًا بجانب المهنة. لم يكف بعدها عن الحديث بهدوء عن تلك الأشياء المكتوبة على الجبين، وترديد الحكمة الشهيرة"حب ما تعمل.". و لم ينس ذكر أنه لا يحب ما يعمل وبالتالى فهو لا يعمل ما يحب وأنه ينتظر. ربما تكلم عن ضرر البطالة ولكنى لم أسمعه لشدة الهواء – أو لأننى لم أرد أن أسمعه - فسألته أن يعيد فلم أسمع أيضًا فبدا لى أننى لم أسمع للسبب الثانى.

يأِسْتُ لوهله.لا أعلم هل تكلم كثيرًا أم قليلًا؟ هل كان كلامه مكررًا أو جديدًا مليئًا بالإلهام الذى يأتى فى الساعات المتأخرة؟ كان فيه هدوءًا عجز على فهمه - أو أن البرد أصابه بالحكمة -، ولربما لم يكُن فارس كذلك، وأرادت نفسى أن تسمع بعض الحكايات المليئة بالحكمة فى ذلك الوقت بعد أن شربت اللبن. تلك عادة الحكايات: تسمع فيها ما أردت ان تسمع. تغلفها بك و بروحك حتى يتسنى لك الشغف. الإحتياج للأشياء الجميلة لا يتوقف. الحكايات أماكن و أزمنة رحبة نقرر فيها أننا مازلنا على وعدٍ بالمضي قُدمًا.

لا تسألنى كيف يعرف العلماء ما يفكر به الناس لكن تؤكد احصائية علمية - و تعوّد ألا تُذعِن لأي شيء يصفونه بالعلمية أو الموضوعية - أن الرجال يفكرون فى الجنس كل إثنين و خمسين ثانية، أستطيع أن أؤكد لك صحة المعلومة لا بإضافة الرتوشات بل لأنها حقيقة فعلًا(...). بعض الإناث و فتيات الجامعة ستحاول أن تخاف تلك المعلومة دون أن تسأل: "حسنًا إذن.ما هو الوقت الذى يفكر فيه النساء فى الجنس؟" الأشياء ليست مخيفة إلى هذا الحد. لأن تفصيلة واحدة من الحكايات ليست كفيلة بأن تعرف القصة لابد أن تعتنى بالتفاصيل دون أن تغوص فيها كى تستطيع اقتناص المغزى!

(9)

دخلت البيت،و عندما يحدث هذا تكون مثل رجل لم ينجْ من الزلزال ثم خرج للسطح ليُفاجأ بإسمه موجودًا فى سجل الناجين منذ فترة طويلة. يسأل نفسه كثيرًا عن كونه وماهيته. هل هو حي أم أن شبحه هو من يطوف بين الناس؟ واجهتنى أمى بإبتسامةٍ لطيفة نائمة. داعبتنى كما اعتادت أن تداعبنى فى الطفولة. دائمًا ما تدللنى بالحديث معى باستخدام الضمائر المؤنثة، وأن تكون ذكرًا و يقول لك أحدهم أنك أقرب للسيدات فذلك إطراء عزيز احفظه و لا تتجاهله.

(10)

"الكِتابُ صامتٌ فى الجُزءِ المُمَزّق المُعَذّب من هذا العالم،الجزء الخاصّ بالعرب،ولا ينجحُ أحدٌ فى إنطاقهِ إلّا الجاهلُ والطاغية،وذلك هو الأمر العجيب.هل ستقدر أيّها الكِتاب أن تتحرر من صمتك؟ متى وكيف؟"

أدونيس

تسعد حين تلتقى بكُتبك ثانية. متراصة بوقار. تتنفس فى دَعة. كم كنت أتمنى أن أجدها غير مرتبة فأنهمك فى ترتيبها لكن يبدو أن أمى فعلت. نظرت إلى "سعيًا وراء الرزق" لنادر فرجانى، وهو ليس كتابًا أدبيًا – كما يوحى إليك إسمه - بل كتاب فى الإحصاء التطبيقى يبحث فى هجرة العمالة المصرية للخارج، و مُجرد ذكر الإحصاء كفيلًا بأن يفقدك شهية القراءة. اشتريته منذ فترة قصيرة من رصيف على الشارع، أحنيتُ نظرى بعيدًا، و فكرت فى فارس ومهمته التى يضطلع بها فى الحياة.

لا أعلم لما إختارت أمى أن يرى الداخل لغرفتى غلاف سيرة "خارج المكان" لإدوارد سعيد بصورة الطفل الوسيم الذى لم يستطيع أن يحدد مشاعره تجاه أبيه طوال حياته. ماذا كانت تقصد؟ أم أن الترتيب عملية تستوجب البحث عن شيء جميل لتتزين الغرفة وفقط؟ أو أننى أردت ذلك فلاحظته عن عمد؟

تُسائِل نفسك سؤالًا موعودًا: أيهما القادم؟ تُجيب: ربما رحلة أهداف سويف إلى الضفة الغربية، أو ربما أكسر هذا الحاجز بينى و بين أحلام مستغانمى وأفهم حكاية الأسود الذى يليق بها، أو ربما لا هذا ولا ذاك و أستعد لصحبة "واسينى الأعرج" فى رواية السيرة الذاتية خاصته التى عنونها بإسم "سِيِرةُ المُنْتهى:عشتها كما اشتهى" الذى عرضها عليّ بائع الجرائد حين سألت عن مجلة تحمل صورة رضوى عاشور ولم أجدها فقرر أن يعرض عليّ مجلة أخرى يشفق بها عليّ،أو ربما نضع أيادينا الباردة على كتفي تشارلز ديكنز ونرى هل استطاع أن يتعامل مع إهدار خيالاته أم لا؟ أو نسير مع أحمد سعدواى لنجمع أجزاء "فرانكشتاين فى بغداد" تلك المرة فرانكشتاين لن يكون جسدًا مُجمَعًا بل حكايات و قصص يرويها الناس تحت القصف للتائهين و الهاربين ومن صرخوا تحت الأنقاض أيامًا ثم قرروا أن يحترموا لحظة موتهم ويرحلوا فى سكون..أيا كان فلن أختار إلا رواية..الحكايات تعيدنا مرة أخرى.لا أريد أن أنعتق.

(11)

"وسيعبُر الطوفانُ من أوطاننا.
من يقنعُ الطوفان ألا يعْبُرا؟"   

محمد عبد البارى

(مالم تقله زرقاء اليمامة!)

(12)

ولأن تلك الرسالة تتمدد بطريقةٍ جنونية فسأتوقف. فلابد ان المحرر سينهرنى طالبًا أن أقلل المساحة، وسيُعلِل هذا ببعض المقولات الفنية التى تجذب القُراء. أنا لا أكتب للقاريء الذى يصيبه الملل، وليس مطلوبًا ان يقرأ القاريء المقال كاملًا لكى يشعر الكاتب بالرضاء. إلى هؤلاء الحالمين الذين يتغاضون عن ركاكة التعبير و بدائيته: لا تتخلوا أبدًا عن مساحاتكم وحقهم فى الحكاية. ما وصلهم لم يكن يقصد أن يتكلم عن الحكايات ولم يحدد ذلك أصلًا. خضع ما هو مكتوب أمامكم لتعديلات شتى. ليست مجرد تعديلات، بل أحاسيس تتقلب قتنقلب معها الكلمات. لابد لنا أن نُسجل تجاربنا، وألا نيأس منها. إنسان لا يشعر بتجربته سيتحول قريبًا إلى شخص عديم المعنى، و أن يكون إنسانًا عديم المعنى عندما لا يستطيع أن يترك نفسه لحبال الأمل الواهية،و لا يتعلق مثل الغريق..فى هذا الإرتباك يُكون الإنسان معناه الحقيقيّ.

(13)
"أعملك كوباية لبن يا قط يا حلو إنت!"

أمى

(سميرة)

إلى من يتأملون فى ماهية الدفء أو الاصطدام أو الشوق أو التأرجح بين النقيضين أو التفسير المُلِح للأشياء، ومن يسألون أنفسهم أسئلة كثيرة عن أن تكون أحمقًا أو أن تكون لطيفًا واثقًا..أعلم أن الخروج من أسر التجربة مُتعبٌ كالدخول فيها. تيقنت أننا لسنا بحاجة إلى أن نذهب بعيدًا. لا تتوقفوا عن شرب كثيرًا من اللبن الدافيء، ورغم ما أفعله الآن من الذوبان المطلق فى كتابة تلك الرسالة فى تلك الساعة المتأخرة فإننى أعلم أن كل شيء سيعود إلى ضعفه الأول ما إن أنتهى.

إلى من يُبعثرون أنفسهم بحثًا..

 

الصورة: Sentimental Calligraphy, Diary of a lone traveller


تعليقات