انشاء حساب



تسجيل الدخول



كتب بواسطة: سامح خليل
15 فبراير 2015
1698

 

"هناك طريقتين لتأسيس سلطة سياسية علي سكان مكان ما: القمع والتربية والأخيرة تعمل علي العقل أما الأولي فتعمل علي الجسد ولا بد أن تأتي اولا هكذا كتب أحد الظباط الفرنسين في الجزائر في تقريره عن الانتفاضة التي تم اخمادها 1845-1846 ( استعمار مصر: تيموثي ميتشل)

قد نستطيع من السطور السابقة أن نتعرف علي عقلية النظم الاستعمارية أو السلطوية من أساليبها في فرض سلطتها السياسية, ليس من خلال تتبع تلك السطور السابقة وفقط بل ومن تتبع التاريخ بصفة عامة. فعندما بدأ محمد علي في فرض سلطته عندما أتي إلي مصر وشرع في حكمها حاول أن يجمع بين الأسلوبين ايضا  حيث قام محمد علي بقمع الكثير من الفلاحين سواء في جمع الضرائب أومن خلال اجبارهم علي التجنيد – و الذي كان في ذلك الوقت غير محدد بفترة زمنية و كان يتسمر مدي الحياة تقريبا - إلي جانب النظام التعليمي الذي وضعه في بادئ الأمر لتدريب الظباط و المجندين. ثم نصل لعصر عبد الناصر و رغبته في ربط التربية (التعليم) بأهداف و توجهات النظام القومي الجديد فقام بتغيير المناهج ونظام التعليم فادخل نظام الثانوية العامة وتم تأويل مناهج التعليم وفقا لرؤية النظام فكتب التاريخ وفقا للآراء الشخصية للضباط الأحرار ليس عن العهد المكلي فقط بل و عن فترة حكم محمد نجيب ايضا – و التي لم تتجاوز العام تقريبا- و الذي نصبه مجلس قيادة الثورة رئيسا للجمهورية ثم انقلبوا عليه عندما عارضهم.

إلي جانب هذا يجب الإشارة إلي ما كان يقوم به النظام من قمع للمعارضين وقمع للحريات ووأد أية محاولة لوجود حياة سياسية في مصر, و في الغالب سار خلفاء جمال عبد الناصر علي نفس منهجه في التعليم و القمع فكلا منهم حاول أن يربط أهدافه السياسية بالتعليم والاستمرار في قمع معارضيه, واستخدام التعليم سواء الأساسي أو الجامعي في تضليل العقول و توجيهها إلي ما يريده النظام من ربط المواطنين بساقية التعليم ثم البحث عن وظيفة حكومية وهكذا مما جعل التعليم في كثير من الأحيان وسيلة للتغريد في سرب النظام و طمس أية قدرة علي التفكير المستقل. لا أتحدث هنا عن مجانية تعليم أو عن أعداد المتعلمين وإنما عن جودته وعن قدرته الحقيقية في خلق مواطنون يستطيعون بناء وجهات نظر خاصة بهم, إلا أن هناك حالات استثنائية ولكنها تظل استثناء و تظل القاعدة هي الدوران في ساقية الدرجات والتقديرات والبحث عن لقمة العيش.

قد نتمكن مما سبق من فهم السياسات التعليمية للدولة المصرية حاليا, فهي حقا لم تختلف كثيرا عن سابقتها  وعما أشار اليه الضابط الفرنسي في الجزائر- كما أشرت مسبقا -  فالدولة حاليا تسعي جاهدة إلي تطبيق أهداف السلطات الاستعمارية في فرض سيطرتها – لن أتحدث عن قمع الدولة خارج إطار التعليم والمؤسسات التعليمية - فنجد أنه خلال الفصل الدراسي السابق قامت قوات الشرطة ب 118 اعتداء علي الطلاب داخل الحرم الجامعي لأحدي عشر جامعة حكومية, كما قامت ستة عشر جامعة حكومية بفصل 275 طالبا, كما تم إلقاء القبض علي 424 طالبا تم اخلاء سبيل 46 طالبا من اجمالي المقبوض عليهم خلال الفصل الدراسي السابق (وفق لاحصاءات مؤؤسة حرية الفكر و التعبير). هذا كله خلال فصل دراسي واحد مما يعطي فكرة مبدأية عن سياسات الدولة تجاه الطلاب وكيفية تعامل الدولة مع الحرم الجامعي ومع فكرة التعليم بشكل عام. فالبنسبة للدولة فالتعليم قاصرا فقط علي قاعات الدرس والمحاضرات أو الندوات الرسمية التي يقيمها أعضاء هيئة التدريس, أما فيما يخص التعليم فنجد أن جامعة القاهرة تحتل في الترتيب العالمي للجامعات المرتبة رقم 474 عالميا من بين أفضل 500 جامعة عالميا (وفق تصنيف "ويبوماتريكس الدولي للجامعات لعام 2015) مما يعكس لنا تدني مستوي التعليم الحكومي في مصر أخذا في الاعتبار عدم تطوير المناهج وعدم كفاية المناهج والتعليم للتأهيل لسوق العمل المحلي علي الأقل.

قد ندرك من خلال هذا أن الدولة تسعي إلي اغلاق كل المنافذ التي من الممكن خلالها أن تفكر خارجا عن المألوف، خارجا عما تريد الدولة أن تفكر فيه وأن تعلمه فتتعلم أن محمد علي كان رجلا قويا استطاع بناء دولة قوية لكنك لا تتعلم أنه استعبد المصريون و لم تكن نهضته تلك حبا في مصر وأهل مصر، وإنما حبا في المجد الشخصي له ولعائلته. تتعلم أن عبد الناصر كان رجلا وطنيا خلص المصريون منالاستعمار وبطش الملك لكنه لم تتعلم أن عبد الناصر بطش أيضا بالمصريون واعتقلهم في معسكرات سرية ولقي  كثيرا منهم حتفهم داخل المعتقل. تتعلم أن السادات رجل السلم ولا تتعلم مساؤي سياسته الإقتصادية علي الوطن. نتعلم وجهة نظر الدولة ولا نتعلم الإنصاف والحق. نتعلم أننا حضارة السعبة آلاف سنة ولا نتعلم كيف نكون شعوب متحضرة. منطق الدولة في تعليمنا يختصر في السيطرة علي أجسامنا وعقولنا، ويتلخص في قمعنا واسكاتنا, يتلخص في أنه لا مجال إلا لوجهة نظر واحدة و رأي واحد و منهج واحد. هكذا تحاول الدولة بناء سلطتها فتستعمر عقولنا و تقمع اصواتنا وأجسادنا.

    


تعليقات