انشاء حساب



تسجيل الدخول



كتب بواسطة: سامح خليل
14 فبراير 2015
1764


كان الصبي "خوليو" عاشقًا للكُرة، أحلامه تتلخص في الوقوف على الخط الأبيض للمرمى ويصنع المجد مُدافعًا عن المرمى من خلفه. 

تحققت أُمنية خوليو بالالتحاق بفريق الشباب الخاص بنادي العاصمة الإسبانية مدريد الأول، الانضمام لريال مدريد كان بمثابة المُعجزة لخوليو، قطع خوليو عهدًا أمام نفسه بأن يبقى صانعًا للمجد مادام قلبه ينبض بالحياة. 

بعد إجازة قصيرة وأثناء عودته من ماجاداهوندا كان الصبي مازال غارقًا في أحلامه، أغمض عينه وظل يتخيل مُستقبله الباهر لكنه لم يستطع أن يفتحها بعد ذلك، رُبما من الخوف الذي انتابه من صوت اصطدام سيارته بأخرى أو لأنه لم يكن يستطيع التحكم في أيٍّ من أطرافه وقتها، لم يرد أن يفتح عينه على واقع سئ بعدما أعطته تخيلاته كُل مايُريد منذ قليل.

قُضي الأمر وخوليو مُجبر على فتح عينه، المكان لم يكن كالمكان، كُل من حوله يرتدي الأبيض، لكنها ليست الجنة بكُل تأكيد فــ أصوات التأوهات من حوله لا يُمكن أن تتواجد في النعيم.

وقفت الحركة من حوله بمُجرد أن فتح عينه، الآن بدأت الرؤية تتضح، خوليو يرقد على فراش في مشفى في العاصمة مدريد، أشار الطبيب لكُل من حوله بالخروج من الغُرفة ووجه كلامه لــخوليو الذي زاد توتره توترًا.

خوليو، ما سأقوله صادم ومؤلم لكنه قد لا يُصبح كذلك إن عَرفت اننا كُنا نشك في انك ستنجو من الأساس، الحادثة كانت قوية أكثر مما تتخيل، الارتطام أثر على بعض أطرافك، قد لا تستطيع السير على قدمك لمُدة طويلة، عام أو رُبما أكثر، أنا أسف .

وقع كلمات الطبيب كان أشد وطأة من وقع الحادث نفسه على خوليو، لم يكن الصبي يُريد أن يصدق ما قاله الطبيب للتو، حاول مرارً وتكرارًا أن ينهض من فراشه، لكن دون جدوى، انتهى به الأمر واقعًا على الأرض لا يُريد أن يطلب المُساعدة من أحد، رُبما الصرخة التي صرخها كانت تفعل... خوليو لن يستطيع أن يسير على قدمه مرة أخرى.

الصورة تبتعد، الإضاءة تختفي رويدًا رويدًا وينتهي المشهد بصرخة الصبي المطروح أرضًا من قِبل المرض.

مشهد جديد يبدأ، ليس أقل بؤسًا من سابقه، خوليو على فراشه يرفض التحدث إلى أحد، فقط يُفكر في كيف تحول من حارس مرمى ريال مدريد إلى قعيد مُلازم للفراش.

شعر لاديو ماجدالينو مُمرض خوليو الخاص بالأسف للشاب الذي فقد شغفه ورغبته في الحياة وفي مُحاولة بائسة لتحسين حالته أهداه جيتارًا، ربما كانت فكرة بائسة حينها، لكن رويدًا رويدًا أخذ الجيتار مكاناً في قلب خوليو، ليس بحجم المرمى والكُرة بالطبع، لكنه كان قد اتخذ أولى خطواته إلى قلب خوليو.

تعلم خوليو العزف على الجيتار، كتب أغانيه الخاصة وألف موسيقاه، كلمات أغانيه اتسمت بالحُزن والسؤال عن ماهية الحياة، كان الجيتار هو العُكاز الذي تستند إليه روح خوليو، الروح التي استطاعت أن تسير قبل خوليو بل حلقت عاليًا، الروح هي المُرشد الذي جعله يقف أخيرًا على قدمه بعد عام ونصف قضاها خوليو على فراشه لا يستطيع الحركة.

كان على خوليو العمل لمساعدة أٍسرته وخاصًة والده الذي ترك عمله وتفرغ لمجالسة خوليو لمُدة عام ونصف فقط على أمل أن تدب الحياة في أقدام خوليو مرة أخرى، أول ما فعله خوليو بعدما عادت له القدرة على السير هي انه سافر إلى لندن للعمل وتعلم الإنجليزية، كان يُغني في بعض الحانات لكسب قوته ومُساعدة أسرته.

لم يتوقف خوليو يومًا ما عن كتابة أغانيه الخاصة، نصحه البعض أن يُراسل شركات إنتاج الموسيقى لتوصل كلماته لأحد المُطربين على أمل أن تنال إعجاب أحدهم فيُغنيها، بالفعل سجل خوليو إحدى أغانيه بصوته وأرسلها لإحدى شركات الإنتاج، جاء رد الشركة غير مُتوقع على الإطلاق، سأله مُدير الشركة، لماذا لا تُغنيها بنفسك ؟ 

رد خوليو: لأنني لست مُطربًا، فقال له ان الأمر يستحق المُحاولة، أنتج الرجل لخوليو أُغنية مُنفردة، لاقت نجاحاً مُنقطع النظير فشجعه هذا أن يُنتج له " ألبوم " كامل ولم يقل نجاحه عن أغنيته السابقة.

من يومها لم يُفارق النجاح خوليو، من مهرجان لآخر ومن جولة غنائية لأخرى حول العالم حتى أصبح خوليو أشهر مُطرب في إسبانيا ومن الأشهر على الإطلاق حول العالم.

عاد خوليو لمنزله يومًا ما بعد إحدى حفلاته، نظر لطفله الصغير "إنريكي" وهو مُمسكٌ بكُرة قدم، حمله وأشار بيده لصورة قديمة لخوليو وهو يقف أمام المرمى في تدريبات فريقه ريال مدريد وقال : يومًا ما كان والدك حارسًا لمرمى ريال مدريد، كان قد قطع عهدًا لنفسه ألا يتوقف عن كتابة التاريخ وصناعة المجد، الظروف كادت أن تجعله يحنث بعهده، لكنه لم يفعل، والدك كتب التاريخ بطريقة أو بأخرى وكانت كُرة القدم هي أول صفحة في تاريخه، يومًا ما ستفعلها أنتَ أيضًا، يومًا ما ستُصبح الشهير "إنريكي إجليسياس."

 


تعليقات