انشاء حساب



تسجيل الدخول



كتب بواسطة: سامح خليل
12 فبراير 2015
1183

المجد لكل من رأى من هذا الوطن ما رأى و بقي على ثورته يقاوِم

هو: ما سر حبك  للعصافير؟
هي: ألا ترى كم يحبون الطيران؟
هو: خلقهم الله أحراراً
هي: و خلقنا مثلهم
هو: منذ أن قُدر لنا أن نولد هُنا و حريتنا مسلوبة
هي: يمكنك البحث عما سُلب منك أو ترضى بالأمر الواقع دون مقاومة لسجانك.. هذا اختيارك أنت
قال بحزم: لا، لم يعد بإمكانى الاختيار
هي : و إن كان؟
هو : كنت سأرحل بعيدا.. بعيدا عن هذا العفن الذى يسمونه الوطن لكي أحافظ على "قدرتى على الاختيار" التى خسرتها هُنا

سكت و سكتت و أخذ يفكر فعندما يُقتل حلمك، تُسلب منك حريتك، يصبح الباطل حقا و الحق باطلا ماذا تبقى لكي تستمر في هذه البلد؟
 
قاطعته وسألت: فيم تفكر؟
هو: لا شئ.. حتى التفكير في الهجرة لم يعد متاح و لكن أنا لا أعرف كيف يمكن أن أكمل بهذا الوضع، الشئ الوحيد الذى أعرفه أن الإحباط واجب على كل شخص يعيش في هذا المكان.. كل ما كنت أحلم به أن أحيا فى مجتمع متحضر يحترمنى و يحترم أفكارى واختياراتى من غير تخوين أو تكفير، مجتمع أستطيع ان أحلم فيه دون أن يتحكم أحد في أحلامي، أستطيع أن أحيا فيه حياة  كريمة غير مقيدة بعادات وتقاليد تعجزنا أو أسوار تحوطنا في كل مكان تحاول أن تمنع أرواحنا من أن تحلق في السماء مثل العصافير التي تحبينها أنتِ، مجتمع أستطيع ان أعبر فيه عن رأيى بحرية، أختار بحرية، أفكر بحرية و أحبك فيه بحرية، و أحلامي كلها دُفنت هُنا!

سكت و سكتت مجددا، أربع سنوات مرت عليه و هو يحاول أن ينحت في الصخر، يحاول أن يغير الواقع المؤلم الذي قُدر له أن يكون جزء منه، خسر من أجل هذا الوطن الكثير وكل ما حصده أوجاع و تشوهات في روحه، و هذا الدرج من المكتب الملئ  بالأوراق التى كان يجمعها من كل مسيرة أو مظاهرة، والكمامة التي اعتاد ارتدائها في أحداث محمد محمود، و أخر ورقة وجدها في جيب صاحبه مكتوب فيها وصيته قبل أن يستشهد أمامه، حتى قنابل الغاز الفارغة اعتاد جمعها ليثبت بها للناس مدى بشاعة المعارك التي استمرت لأعوام مع الداخلية، معارك غير متكافئة فُرض عليهم دخولها، يقف العسكري على رأسه خوذه و في يده سلاح  يأخذ الأوامر من القيادات في المكاتب ليقتُل بلا ضمير ولا حساب.. كفى تضحيات فهذا لم يعُد وطني!

حاول أن يهرب من أفكاره سريعاً و تكلم دون تفكير: أتعرفين شيئا ؟ أنا لا أريد مقابلا لكل ما خسرته ولا أخاف الموت و لكن لا أريد أن يفنى عمرى هدر.. و لذلك أود الرحيل
هي : و تتركني؟
قال لها بسخرية : سأترك لكي حرية الاختيار إما الموت هنُا هماً أو أن نهرب سوياً.. ما رأيك؟
هي: انا مثلك لم يعد بإمكانى الإختيار
هو : و إن كان بإمكانك؟
قالت في سرعة سبقت ترددها : كنت سأختار ألا أحبك..
قال في دهشه : لمَ؟!
قالت له بكل ثقة : أريد مثلك الحفاظ على حريتي و "قدرتي على الاختيار" التي سلبها حبك مني.

لم يستوعب الكلام في لحظتها، يا الله فهي لا تعرف متى تحول إلى هذا الكائن النصف ميت و لا كيف فقد الأمل، تعرف جيدا ما مروا به معا خلال الأربع سنوات و لكنها لا تعرف تحديداً متى هزم اليأس الثورة بداخله.. تعرف أيضاً مدى صعوبة المشهد الحالى، وتكره مأساوية الوضع الذى أصبحوا فيه،  تكره حالة الإجبار على اتباع الرأى الواحد الأوحد السائد وحتى ان كان عكس قناعاتك أو كان سبب موت كل احلامك وطموحاتك ببطء على مدار أربع سنوات.. ما الحل؟ هي لا تعرف مثله و لكن كل ما تعرفه إنه لم يعد من الممكن أن تتناسى كل ما حدث و تهرب بعيداً حتى و لو كان الهروب معه.. كيف أهرب و هذا مازال وطني!

و في لحظة قطع تفكيرها و سألها: هل أنتِ جادة؟
هي: عما تتحدث؟
هو: عن رغبتك في ألا تحبيننى؟
هي: لا أعرف، أردت فقط أن أوضح لك أن ليس كل شئ يسلُب حريتنا نستطيع الهرب منه، مثل هذا "العفن" الذي تريد أنت أن تتركه ﻷنه أفقدك قدرتك على الاختيار، و مثل حبى لك الذى أفقدني نفس الشئ!
هو: بعيد عن كل هذا عليك أن تعرفي أنكِ وطنى
ابتسمت هى و أكمل هو كلامه: و لعلمك من فقدنا هذة القدرة ليس الوطن بل القائمين عليه!
قالت بإنفعال: أحقا لا ترى نفسك سببا في كل هذا؟! لا تحاول أن تنكر أن ثورتنا سبب من أسباب ما نعيشه اليوم!
هو: و لكن لم يكن هذا مسار ثورتنا
هي: شئنا أم أبينا أدت بنا الطرق إلى هذا المسار
هو: لم نكن نحن السبب و أنتِ تدركين هذا جيدا!
هي: أيا كان.. فالثورة سبب فيما نحن عليه و يجب علينا أن نتحمل مسئولية قرارتنا و اختيارتنا مثل الكبار، وإن كنا مجبورين على هذا الوضع فعلى الأقل لم يجبرنا أحد على الثورة!
هو: هل تدركين لمَ أُحبك؟
عاد لها هدوءها و قالت : ﻷني وطنك؟
قال: ﻷنك الثورة التي لا تضل الطريق أبدا داخل الوطن.

يتبع...


تعليقات