انشاء حساب



تسجيل الدخول



كتب بواسطة: شيرين محمد رضا
20 مارس 2016
738

طلب منا مُحاضر اللغة الإنجليزية تحضير أي موضوع شيق للتحدث عنه أمام زملائنا، وامتدت يد الجالسة على يميني لتحتضن يدي ناظرة لي باستياء: "يالهوي هنعمل ايه"، لم أفهم أننا في موقف عصيب للحد الذي يتطلب الخروج منه تفكيرًا عميقًا .

 

***

 

في الصف السادس الابتدائي، كانت مرتي الأولى للوقوف أمام حشد من ربات المنازل المتنكرات بوصفهن معلمات فُضليات، مهمتهن إبداء رأيهن فينا -نحن الصغار- وتوجيهنا كيف نقود حياتنا لنصير رائعات ممتلئات مثلهن، كنت أُلقي قصيدة لنزار القباني يتغزل فيها بجميلة بوحريد، وقد انتزعت منها معلمتي العديد من الأبيات التي يصف الشاعر فيها جسدها وآثار التعذيب عليه، وقد كانت من المرات الأولى التي فيها يترسخ بوعيي البكر أن ذكر جسد الأنثى صراحةً أمر يدعو للاستنكار والخجل، رغم حفظي التام لأبيات القصيدة بتشكيل كل حرف وإلقائي لها عددًا لا يُحصى من المرات من قبل أمام عائلتي، إلا إني وجدت قدماي تصبحان هشتان كأن جسدي يرتكز على اصبعين من الـ "فينو" يزدادان توترًا مع كل سلمة أصعدها للمنصة .

 

***

 

تحكي لي صديقتي الصغيرة عن ارتباكها عند اقتراب ذلك الفتى الوسيم ليسألها إن كانت تود أن تنضم لمجموعة عملهم لإتمام بحث ما عن موضوع مدرسي سخيف، وعن المونولوج الذي دار بداخلها: "كيف أبدو له؟"، و"هل يري بثور وجهي قبيحة جدًّا؟"، و"رباه كم أود أن أختفي من أمامه أنا أكره نفسي!"، قد يبدو هذا لك مبالغًا فيه لكن عند نقطة ما كلنا شعرنا بشيء مماثل.

 

***

 

من هذه النقطة يبدو واضحًا كيف يكون المرء عندما يرى نفسه غير جدير بالثقة، ويهتم بما يعتقده المحيطون به، في سبيل شعورنا بأننا مقبولون قد نفعل أي شيء؛ فكلنا نخشي أن يجدنا الآخرون مملين سخفاء غير جديرين بصحبتهم؛ فكلنا نخشى الوحدة والهجر والطرد من جنة البشر الصناعية .

 

كل ما سبق هو ما ستختبره في بداية انخراطك في الحياه الاجتماعية، أي منذ أن تخرج من منزلك متوجهًا للحضانة، وأنت متشبث بيد أمك حاملًا حقيبتك الصغيرة على كتفيك المُعدين لتحمل مصيرك المجهول، إلى أن تصطدم بحقيقة أن العشم في البشر ضلالة! ستقف تحت شجرة العشم المقدسة طويلًا تأمل في أن تطرح فواكهها المُطعمة بالآمال والرضا البشري المسموم، لن تمل من المرة الأولى أو الثانية أو حتى العاشرة، ستنتظر إلى أن تألف الوحدة.

 

أتذكر الوحدة التي هربت منها واحتميت بكل أنواع البشر وتركتهم يستخدمونك كيفما يشاؤون، فقط لتنعم بالمزيد من قطرات رضاهم عنك لتلعقها بنشوة محمومة؟ ستكتشف أنها ليست بهذا السوء، يومًا فيومًا ستجد أن ذهنك يصفو، ستجد وقتًا أطول لتكتشف وتعيد اكتشاف العديد من الأشياء التي أردت دومًا أن تفعلها، ستطرق طرقًا ما ظننت يوما أنك ستطرقها، ولدهشتك ستجدها تصلح، ستجد أن ما ظننته نهاية وحائطًا صلبًا، ما هو إلا مُعتقد كاذب حتى تظل عبدًا للناس وأهوائهم .

 

ستعتاد صحبة نفسك والحديث معها، لن تخجل من تحقيق أحلامك، أو لنكون أكثر واقعية، لن تخجل من أن تبحث عن حلمك أنت لا الحلم الذي يجعلك تبدو جيدًا كفاية للآخرين .

 

إن أردت أن تعرف إلى أي مدى أنت مرتبط برضا الآخرين وحرصك على تغذية صورتك بوصفك طبيعيًّا وصالحًا تبعًا لنظرتهم، فكرْ كم من الوقت يمكنك أن تقضيه بعيدًا عن كل من تعرف دون أن تشعر بتلك الحكة الإدمانية تسري في عروقك، حين تجد إجابتك يمكنك أن تنطلق لتتحرر من حبال البشر، حينها لن تكون عبدًا لهم بل عزيز نفسك.

 

رحلة سعيدة.


تعليقات