انشاء حساب



تسجيل الدخول



كتب بواسطة: شيرين محمد رضا
14 فبراير 2016
773

حكت لي أمي عن ولعها بأبي في شبابهما وتشابك أيديهم كل مرة يخرجان فيها على مدار السنوات العشرة الأولي من زواجهما، كما لو أن كل مرة هي موعدهم الغرامي الأول.

 

كنت أستخف دومًا بما ترويه أمي، فهي دائمًا تبدو لي المرأة العاطفية المُرهفة المُحبة لشادية والفساتين القصيرة وأفلام الستينات، و هي صورة كانت تبدو لي حينها شديدة المُحن مُفرطة في خيالها، فانا أبنة العصر الحديث المطحون التي تري الحب ملهاة ونوع مُقنن من المخدرات.

 

لم أعاصر لبلدي إنجازًا حقيقيًا ولم أشعر بالفخر يومًا لانتمائي لشيء ما، ولا حتى لعائلتي، كل هذا صب في شعوري الدائم بعدم الآمان، والآمان هو الأب الروحي للحب، لذا دومًا ظننت أن ما ترويه أمي خيال عاطفي غريب.

 

لم أشهد قصة حب اسطورية، ولا اؤمن أني سافعل يومًا، حتى وإن اقترنت يومًا بأحدهم، فاغلب الأمر سيكون ذلك بدافع من خوفي من الوحدة. لذا الفلانتاين كان دومًا مجرد يوم شتائي مميز بوجود الورد في أيدي الكثير من المتأنقين في الشارع، مما يدفعني تلقائيًا إلى الابتسام لا أكثر و لا أقل.

 

كثيرون حول الفلانتاين قليلون حول الحب، فأنظر مثلًا حولك يا عزيزي هل تلك دولة كُتب لها فلانتاين؟ الشوارع لديّ هنا مطيّنة، ليس لأن منطقتي لديها انتماءاتها الجوية الشاذة و تتبع إقليم شمال أوروبا كأعجوبة حديثة، بل لأن الصرف الصحي على ما يبدو أعلن إضرابه تضامنًا مع الأطباء هو الآخر.

 

فهل بذمتك هذا منظر يؤهل نفسيًا أيًا من كان، ولو حتى كلب أجرب بلدي، أن يتعطر ويتأنق ويبتاع زهورًا حمراء منثور عليها "جليتر" ويذهب للقاء حبيبه/حبيبته؟، أو ربما منطقتي ليست أفضل مُلتقي للعشاق الشباب ليس إلا. حسنًا، من أُخادع، كلنا نعلم أن مصر بأكملها ليست أفضل مكان يُزهر فيه الحب ويدوم.

 

فمهما إدعى شريكك إنه مُتفهم لكامل الأمور ولديه سعة أفق، فهو لا محالة متأثر حتى الثمالة بالمجتمع وتقاليده، فكلنا هنا نتشارك نفس الوعي المجتمعي الملئ بالتابوهات، فهنا منطقة وباء نسى أحدهم أن يشيد حجر صحي بها؛ لا أحد يُولد في مصر ويسلم منها؛ وأسفة على إخبارك بأنه ليس هناك ترياق لهذا، لذا فالحل الأمثل هو أن أعتزل العالم و أتركه بصخبه المرعب؟؛ كلا، ليس هذا ما أرمي إليه هو الانتباه لعدك إلقاء قلبك العليل الجاف لأقرب بشري يعبث به كيفما يشاء، ولكن ما أرمي له حقًا هو افتقاد الشباب والمُقبلين الجدد على الحب معرفة فن إدارة العلاقات العاطفية، بل الأدهى أننا لانعرف ذواتنا الداخلية جيدًا، فما نحتاج له حقًا هو أن نجول بداخل أنفسنا باحثين في كل أوجهها دون مخافة أو تردد، فكيف لي أن أُلبي احتياجك العاطفي دون أن أدري ما أحتاجه أنا و ما أريده منك.

 

نحن لا نتكون من لحم ودم فقط، بل من تجارب وخبرات؛ فكل خلية في أجسادنا تستطيع أن تحكي ملحمة بائسة كنا جزءًا منها أو شاهدناها، فنحن لانريد أن نُزيد الأخرين آلمًا ولا أن يحيلوا لآلامنا جحيمًا أشد، فكم مرة جال بخاطرك "يا إلهي.. بوسعي أن أكتب عدة روايات مؤثرة مستوحاه من آلمي وخيباتي وسيكونون أفضل من عدة ملاحم خرافية خلدها التاريخ"، فبداخلنا جميعًا جحيم مستعر لا ينقصه بشر عابثون يلهون ببقايانا.

 

ففي عالمنا الذي حقًا يستحق أن يكون عقابًا لأدم ونسله؛ نادرًا ما تجد قلب وعقل ناضجان تستطيع أن تستند إليهم وتستودعهم جراحك دون تورية أو خجل، ويصبح الأسهل أن تجد وحيد القرن المنقرض، لذا دعونا من فلسفة العلاقات والحياه ولنعد أنفسنا غدًا أننا لن نتركها ليعبث بها كل عابر سبيل نتوسم فيه دفئًا زائفًا، و كل سنة وأنتوا طيبين.


تعليقات