انشاء حساب



تسجيل الدخول



كتب بواسطة: شبكة شفاف
02 فبراير 2016
492

مقال مشارك في مسابقة شفاف للشباب كتّاب المقال 2016 

كتبه - اسلام صلاح حسن محمد 

 

 

تروي لي جدتي حكايات عن مدرستها التي كانت تتوسط نخيل قريتنا التي تقع شمال أسوان فتنساب وتتدفق  مع مجرى النيل ولكنها لا تنجرف معه .
كانت أسوار المدرسة لا تتجاوز السنتيمترات فكانوا لا يشعرون فوجود أسوار ،لقد كان الأولاد يجلسون علي السور مستقبلين نسمات الهواء التي تعصف بالنخيل الملاصق للجدران ،وكان البلح يتساقط عليهم ويداعبهم عندما يسقط علي رأس احدهم فجأه .. وكانت المدرسة مبنية من الطين فتجعل الهواء رطباً بداخلها .
تنهدت جدتي وكأنها تجر لي الزمن حتي آرى ما كان  وقالت : كنا نخرج من البيت ونروح المدرسة بس مش عارفين انها مدرسة وكنت بحسب ان ده بيت العيلة وبيعلمونا فيه .
......................
اول يوم لي في المدرسة كان اكثر الأيام التي تركت آثرها في ذاكرتي ،فمع بداية اليوم وإقناع أمي لي بجمال المدرسة والأصدقاء والشنطة التي لم استطع تمييز لونها بسبب تداخل الرسومات فيها .. وعندما أقتربنا من المدرسة افزعنى الباب الحديدى الأسود والأسوار العالية التي كانت تبقي عيني ملعقة ،والسلاسل الحديدية التي أصابها الصدأ والقفل الضخم الذي يتوسط الباب ،فعندما اقتربنا من الدخول تراجعت ولم تكفي صرخاتى وتعلقي بباب المدرسة محاولاً الإفلات من المُدرسين الذين نجحوا في إجبارى علي الدخول وكان وقع صوت غلق الباب كأنه يقول لي : لقد نلنا منك .
.....................

موسيقي برنامج الشيخ الشعراوي كانت تشعرني بأن هناك حرباً ستقام .. لم اشعر بالإرتياح يوماً عند سماع الشيخ الشعراوي مع ان صوته كان يشبه صوت أحد شيوخ قريتنا في اسوان وكنت أحبه جداً لإنه يجهل كل تفاصيل الحياة المٌملة وكان يقول القليل الذي به الزاد الكثير وكان يقوله برفق شديد .. في الحقيقة لا أعلم لماذا لم اعطي فرصة للشيخ الشعراوي لكي يصلني اي شيئاً منه ولكن ربما لإنني شعرت ان جلسة الشيخ وطريقة الكلام لا تُناسب شاشات التليفزيون .. لقد كنت آري فيه هيئة كٌتاب قريتنا ولكن تم استبدال الحصير بالسجاد والعنجريب بكرسي يكسوه قطن ،ولم اشعر بدفء الجلسة كمان كنت اشعر بها بين يدي إمام مسجد قريتنا . .

..........................................
"استووا ..تراصوا واعتدلوا ..سدوا الخلل "
-لماذا نستوى ونتراص ونعتدل ؟
..لكي يستوى الصف
-وما معني الاستواء ؟
.. ان تتوجه إلى القبلة
-كلنا نعلم اننا يجب ان نتوجه إلى القبله ..لماذا لم يتوجه كلاً منا إلى القبلة وحيداً ونباعد المسافات بيننا ؟
.. ذلك ما امره به الله فلا تجادل وركز في الصلاة وكفاك سهواً .

..........
قامت معركة بين عائلتين واشتد العراك ولم يقدر احد ان يوقفهم . صعد إمام مسجد قريتنا علي المنبر وظل يردد "استغفروا الله  استووا .. اعتدلوا . سدوا الفرج ..لا تختلفوا فتختلف قلوبكم .. لاتجعلوا بينكم فرج خشية مرور الشيطان "
.. بدأ  العراك يهدأ  ولجأ كلاً منهم إلى داره وعلي وجوههم حسرة وندم .
قلت له : كيف ذلك يا  شيخ ؟ كيف هدأوا بهذه الكلمات ؟ .. وهذه الكلمات لإستقامة الصفوف للصلاة فقط ؟!
قال : الاستواء ليس استواء الاتجاه وملء الفراغات المرئية فقط ! .. يستوى الصف هو شعورك بإن الواقف بجانبك أخيك الذي له حق عليك ، الاستواء بملء الفراغات الشعورية وإننا بنيان مرصوص نشد بعضنا بعضا .وهو تجديد دائم لمعني الإخاء الذي ليس له علاقة بالعرق والدم بل انها علاقة بالدين الذي اوصانا بالتراحم والإخاء وبناء مجتمع يتلاحم فيه البشر فيجب ان يحترموا العلاقة .
"استووا .. تراصوا .. سدوا الخلل "
..........................
تلك المساحات التي تسكنا قبل ان نسكنها ،تلك المساحات التي تتفاعل معنا وتترك آثرها في نفوسنا .فالمساحات هي التي تخلق إمكانية بناء علاقات مع النَفس –المكان-الدين .. فقريتنا قديماً كانت المساحة التي خلقت لنا علاقات تتجاوز الدم والعرق ، وتجعلنا نتحرك ككتلة مجتمعية وذلك كان يتجلى في شكل العمران بما يحمله من تراث ويحافظ علي  العلاقات .
مساحات الدين هي المساحة التي تشملنا وتحيط بنا ،والعلاقات فيها ليس رأسية هرمية بل أفقية دائرية نترقي في مستواياتها كلما اقتربت نفوسنا من الوحي فالعلاقة محكومة بمدي قربنا او ابتعادنا عن الوحي .

 


تعليقات