انشاء حساب



تسجيل الدخول



كتب بواسطة: شبكة شفاف
02 فبراير 2016
512

مقال مشارك في مسابقة شفاف للشباب كتّاب المقال 2016

كتبه - أحمد محمد حسين محمد 
 

في  أحد الأيام، توقفت أنا و أصدقائي أمام أحد محلات شارع طلعت حرب، لفت نظر صديقي المحب للتصوير مبنى من المباني التي تشتهر بها منطقة وسط البلد على الطراز القديم، فأخرج هاتفه من جيبه والتقط صورًا للمبنى. بعد قليل، مرت سيدة كبيرة في السن، وتوقفت عند صديقي هذا، وظلت تحدق في وجهه لثوانِ قبل أن تصيح فيه بهستيريا:  "بتصور إيه؟"، فقال صديقي أنه مُعجب بالمبنى ويريد التقاط صورًا له. فقالت له  "آه أنت مصري، أصل أنا لقيت الأسبوع دة اتنين صينيين بيصوروا كاميرات المترو"، وصاحت بصوتٍ عالٍ "كانوا عايزين إيه؟ ها!  كانوا عايزين إيه قول لي؟" فصمتنا جميعًا وتابعت هي "ربنا يحمي مصر، ربنا يحمي مصر".

لست معترضًا على تعبير أي شخص عن حبه لبلده بالطريقة التي يحبها، فلكلّ منّا طريقته الخاصة في التعبير، ولا بأس بذلك، لكن أن تتعامل بمنطق الخوف والقلق مع كل من في الشارع فهو أمر غير طبيعي.

تخيل مثلًا أنك كنت في أحد البلدان الأوروبية، جالسًا في أحد المقاهي ورأيت أمامك منظرًا يستحق التصوير، فقام أحد الجالسين بجانبك وقال لك ممنوع التصوير، وسألك عن سبب تصويرك لهذا المنظر، وعندما علم أنك أجنبي زاد شكه وجاء بالشرطة لتقبض عليك، فانت أمام إحتمالين، إما أن هذا المكان بالفعل ممنوع تصويره وعندها غالبًا سوف تجد لوحة موضوعه أمامه تقول هذا بوضوح وبلغات مختلفة، أو أن المكان متاح للتصوير ولكن لأنك أجنبي فمن الممكن أن تكون جسوسًا أو أن هناك مؤامرة تُحاك ضددنا وانت أحد أطرافها، عندها ستتعجب، وتنزعج، وغالبًا لن تعود لهذه البلد مرّةً أخرى.

الأمر أصبح عجيبًا بالفعل، يتواجد الخوف في كل ركن من أركان الحياة حاليًا، ولا أقصد هنا الخوف كشعور إنساني طبيعي يمكن أن يصيب البشر، بل أقصد الخوف كمحرك للحياة، كأن نسير ملاصقين للحوائط حتى لا تدهسنا مجموعات الموتى الأحياء المنتشرة والتي يتزايد عددها يومًا بعد يوم.

يحكي لي صديقي أنه كان في ميكروباص على طريق أكتوبر الصحراوي، يجلس بجانب السائق وبجانبه شابٌ هادئ يرتدي بدلة كاملة. بدأ السائق، في لحظةٍ ما، ودون مقدمات، التعامل بعنف مع كل ما حوله، فبدأ الميكروباص يترنح، وصار يمشي بسرعة متقطعة، فنبهه الشاب الجالس بجانب صديقي: "يا اسطى كدة ممكن نعمل حادثة"، فنظر له السائق بعصبية، وأوقف الميكروباص بجانب الرصيف فنزل وفتح الباب المجاور للشاب وصاح: "انزل".

 

تطور الأمر لصياح متبادل وسِباب، حتى أمسك السائق بالشاب وطرده خارج الميكروباص، فصاح أحد الرجال الموجودين بداخل الميكروباص: "مايصحش كدة يا اسطى، استهدى بالله"، فنظر السائق إلى الركاب وقال: "اللي مش عاجبه ينزل، ورحمة أمي اللي هيتكلم هنزله من العربية"، فسكت الجميع، وترك السائق الشاب واقفًا في طريق أكتوبر الصحراوي وأنطلق بسرعة جنونية غير عابئ بأي شيء.

الغريب في الأمر، أن عدد الركاب بأي حالٍ من الأحوال يفوق السائق الواحد المفرد، فكيف لشخصٍ واحد، أن يكون له هذا التأثير على المجموعة، بالرغم من أن المنفعة متبادلة، ولا يوجد هناك تفضيل لا للمجموعة ولا للفرد، لذلك لم يكن يستطيع أن ينفذ وعيده وأن يُخرج كل من سيتحدث من الميكروباص، إلا أن الخوف، كطرف أساسي في المعادلة، أعطى للسائق الأفضلية، ففعل ما فعل، أمام جميع من في الميكروباص والناس صامتون.

المشكلة، أن الخوف تحول إلى محرك بالفعل، ليس للفرد، بل انتقل من فرد إلى فرد، فكوّن عقلًا جمعيًا لأفراد المجتمع ككل، فاصبح المجتمع يتصرف بدافع الخوف فقط، حتى لو لم يكن الخوف واقعًا حقيقيًا، أوكما قال فؤاد حداد في قصيدة (أيام العجب والموت) "اتوهمت الخوف دهسني الخطر".
 

 


تعليقات