انشاء حساب



تسجيل الدخول



كتب بواسطة: شبكة شفاف
26 يناير 2016
1872

مقال مشارك في مسابقة شفاف لشباب كُتَّاب المقال 2016

كتبه - رحاب أحمد محمد

 

نافذة صغيرة على هاتفي، ضغطة عليها، وأغوص في ذلك العالم، تماماً حيث أكرههم جميعاً. مسافة طويلة تنتهي بي أخيراً إلى تلك القاعة، دائماً ما أصل متأخرة، أتلمس أول مقعد يصرف عني الأعين، أتنهد في راحة، أُغلق نغمة هاتفي، بينما أمر على النافذة الصغيرة ذاتها، بسخرية أتجنب إثارتها، فإنما جئت هنا كي"أحب من أبغضتيني فيهم كثيراً".

 

في كل مساء، بينما يلقي البعض ضوضاء يومهم لدى مطربهم المفضل أو إذاعة القرآن، وآخرين يستندون إلى كتبهم، وفريقاً ثالثاً أقل ترفاً وحظاً وأكثر عدداً، تحاصرهم قائمة مصاريف اليوم وديون الغد فينكبون هرباً على وسائدهم، تبدأ جلستي الليلة المختلفة تماماً.

 

 أُمسك بهاتفي، مضطرة لا بطلة، وأطرق على النافذة الصغيرة، "التليجرام"، مسرعاً يجيب، يكشف لي عن خزائنه المفخخة؛ من "انسحاب تكتيكي" إلى "الذئاب المنفردة"، ووكالة "أعماق"، وأخيراً "خلافة على منهاج النبوة"، عبثاً يظنون، كل مساء ضيفة أنا على موائد داعش، اذهب بكوابيسهم إلى سريري.

 

*** 

بعد عصر أربعة أيام في الأسبوع، موعد آخر ينتظرني، أنهي عملي في الجريدة، وتبدأ رحلتي إلى تلك القاعة، أن تحتك غالبية وقتك بلحى ملوثة بالدماء، وجماعات متقنة للي الحقائق، يصبح واجب عين أن تتعرف على الحقيقة أولاً، وكانت تلك القاعة سبيلي لذلك، التحقت بمعهد للدراسات الإسلامية لتحضير دبلومة.

لكان المشهد سيمفونياً إلى درجة كبيرة، لولا تفاصيل صغيرة قد تراها تافهة، الذين يجلسون أمامي على منصة تلك القاعة رأوها كذلك، حتى وبعضهم يرأس أهم المؤسسات الدينية، بينما هي بيت القصيد المهمل من أجل ضبط قافيات ما كان لها معنى لولا بيتها ذاك.

 

***

 

زيارتي اليومية لموائد داعش سمحت لي بالغوص في عقل التنظيم، والإطلاع على أدواته الشرعية، التفاصيل التي لم يعبأ بها أحد، وهي بالنسبة للتنظيم، مواقده.

مئات الكتب استطاعوا أن يخرجوها خلال الفترة الماضية، لم يقم مؤلفيها سوى بالربط بين النصوص، أما المضمون مجموع من كبار الأئمة وعلماء السنة، حتى مفسروا القرآن "القرطبي" "أبن ماجة"، أقوال للصحابة، كلها مذكورة المصدر وبدقة، فكأنهم يقولون لنا بسخرية " هذه بضاعتكم تيقنوا إن شئتم".

 

 

***

 

ذهبت متأهبة في تلك المرة إلى القاعة، معي ورقتين، سعيدة بحظي الذي أوقعهم في يدي اليوم الذي يحاضرنا فيه الدكتور شوقي علام، مفتي الجمهورية، بعد المحاضرة عرفته بنفسي، ودار الحوار التالي :

  • هنا 13 اقتباس لداعش من التراث اعتمدوا عليهم لشرعنة قتل المسيحين في ليبيا وغيرها
  •  فأجاب وهو يمشي متعجلاً " لا يجوز قولاً واحداً"
  • المشكلة أن تلك الأقوال لكبار الأئمة كالنووي، والشافعي، القرطبي، الشوكاني، الكاساني، وغيرهم، أريد تفنيد لتلك الفتاوى، هل المشكلة في قول هؤلاء العلماء حقاً، أم أن داعش استغلهم في غير موضعهم.
  • ارجعي إلى مرصد الإفتاء، فلقد رد على كل ذلك.
  • ولكني أريد تفنيداً علمياً لا حديثاُ إعلامياً.
  • إذا أعطيني تلك الورقة وأنا سأوصلها لهم.

في اليوم التالي راجعت كل بيانات المرصد، كانوا محترفين حقاً ليس في الفتوى بل في الحديث الإعلامي و العبارات المغلفة، تواصلت مع الشيخ أسامة الأزهري، ارتعد مما رأى، علق "أمر كارثي"،  بعث إلى الدكتور إبراهيم نجم، رئيس مرصد الإفتاء، وطالبه بالرد، فلم يحدث.  بعثت سؤالاً لدار الإفتاء عبر موقعهم، لا إجابة.

كثير من الاتصالات لأساتذة بالأزهر، لا حديث علمي، فقط أعادوا على سمعي الكلمات التي يرددوها ليلاً في "التوك شو"، واحد فقط أتفق معي على ضرورة الإقلاع عن المعركة الإعلامية وخوض معركة فكرية حقيقية ضد التنظيم، وتفنيد كل ما يعتمد عليه، ثم أعتذر "لأن الموضوع يحتاج بحث طويل وهو مشغول".

 

***

 

أسبوع من المحاولات المحبطة. مواقد داعش تشتعل أكثر، عشرات من الفتاوى والكتب تظهر، مئات من الشباب الذين تربوا على أقوال الأئمة، شبوا على تعظيمهم في المطلق، ولم يجدوا من ينقح لهم أقوالهم، أو يقنعهم بفساد الأدلة الداعشية، ينضمون إلى صفوفه.

 

لا تلوموا داعش، لوموا أنفسكم، رضيتم بالمعارك الهشة وارتعدتم من الأخرى، ادعيتم حب أئمتكم وتركتموهم لداعش يورطونهم في الدماء، تركتم لنا  "شيزوفرنيا" نحاول أن نتعايش معها، " نكره هؤلاء الأئمة ليلاً في تلك النافذة، ونعظمهم عصراً بتلك القاعة".

 


تعليقات