انشاء حساب



تسجيل الدخول



كتب بواسطة: إسلام كرار
11 يناير 2016
1824

(1)

تبدأ معي الحديث بـ "غاااره ..طفوا النور !"
جيلين على مائدة الطعام بيننا مسافات تقطعها بغضبها عندما أُحدثها عن "الثورة ..والثوار", تأخذني من يدي وتشير إلى جزء من الحائط بجانب الشباك، وتقول "من سنين الغاره أحدثت فجوة في مثل تلك المنطقة من الحائظ، وكاد أن يتهدم ".

تبتسم قائله "الفجوة كانت كبيرة واتضايقنا لكن كل يوم الصبح الشمس بتتجمع وتدخل منها وتدفي المكان وتداعبنا أشعة الشمس ونلعب معها" .

تتقدم نحو صورة بجانب سريرها (رجل يحمل فتاة صغيرة ترتدي فردة واحدة من حذائها لإنها أسقطت الفردة الأخرى وظلت تمشي  حافية إلى أن أكتشف أباها ذلك فضحك وحملها طوال الطريق, تبدو الصورة كأنه يحملها بيده فقط ولكن كل ما فيه يحملها, عينه وتجاعيد وجهه المبتسم وهو ينظر إليها ), قالت : أبي كان يحب غرفته ودائماً كان يحب أن يجلس فيها، وفي يوم حدثت غاره ورفض أن ينزل معنا وظل في غرفته إلى أن إنهارت الجدران عليه، وكأنه كان يُريد أن يجعل من جدران الغرفة كفنً له !.".

 

(2)

قالت :عزمت أمي على بناء مسجد له في قريتنا، وكانت تُلون المسجد بيدها وتخبرنا عن سبب كل لون ..
الأزرق الذي حيط بالمسجد من الخارج: أول جلابية إشتراها لها, الأخضر الداكن وكان لون سقف المسجد: أول لقاء لهم تحت شجرة أوراقها خضراء داكنه ويبدو عليها أنها ميتة ولكنهم كانوا يحيوا المكان بلقائهم, الأبيض وهو لون القبلة : لون يده عندما كبر وقد كان يقول لها دائماً "الدم نشف من أيدي لكن لسه بعرف أسندك".

أخرج من البيت على أطراف أناملي حتي لا أوقظها بعد أن نامت من ثقل ذاكرتها التي أتسعت ثمانين عامً, بدأت المشاهد والسنين تتداخل لديها، فتأتي بمشهد من طفولتها مع آخر من لحظات زواجها، ومشهد الحنين لزوجها مع مشادات مع إبنتها التي لا تعرف كيف تُحقق معادلة "القهوة المظبوطه" التي تشتهيها وتقول لها "أبوكي كانت أيده بتترعش في اخر أيامه لكن عمرها ما كانت بتترعش وهو بيعملي القهوة "
 

أخرج من البيت وبعد أن أغلق الباب تفتح عينها وتبتسم قائله "لعل ذكرياتي وحكاياتي تصحبك وتكون لك عوناً".
 

(3)

العشرات يصطفون ويرفعون اللافتات والأنفاس تراقب تناقل الميكروفون إلى أن يصل لشاب يصعد أعلي درجات سُلم نقابة الصحفيين ويأخد نفساً عميقاً ويبدأ في الهتافات.
تمر سيده عجوز قد أحنى الدهر ظهرها، وقد اصطدمت بي قائله: أيش يحصل؟
-قلت: هذه مظاهرة ضد النظام يا أمي .. أنتي من أين ؟
-قالت: انا من سوريا .. لماذا تهتفون ضد النظام ؟
-قلت: لإنه ظالم ونحن نعرف الظلم ونقف ضده
-أبتسمت وقالت: وهل تعرفون ما بعد الخروج من الظلم ؟
-قلت: سنأتي بالحرية
-قالت: كنا في حماه وقد خرجت المعارضة تشن هجماتها ضد الحكومة لا أخفي عليك سعادتي وكنت أتمنى استمرارهم، ولما بدأ النظام في ضربنا بالمدافع كنا لا نعرف كيف نوقف ما بدأ؟ ولا من بدأوا عرفوا يوقفوها؟! .. كان الخوف ..لا ليس الخوف بل الرعب والذعر يتملكنا كنت أبكي عندما يختفي أحد أبنائي ولا أعلم أين هو؟، ولما وجدته ضربته وبكيت ..لا أعلم هل بكيت لخوفي عليه أم بكيت لإني انكسرت وتمنيت أن يسامحونا ويقتلوا أبنائنا دون أن نري جثثهم ..فقط يبلغونا أنهم قتلوا!.
"تملكني حزن قد أثقلني وبدأت أبكي"
قالت: لما تبكي ؟ .. أنا من يومها ما بكيت .تعرف كيف نجونا ؟ .. إتبعنا التعليمات ..فقط إتبعنا التعليمات .


(4)

دخلت بهدوء حتي لا أوقظها .. دخلت غرفتها وقد كانت جالسه أمام الشباك وعينها مثبته علي الشمس التي تداعب أشعتها خصلات شعرها الذي يختلط فيه اللون البني مع اللون الأبيض، وقد بدأ يعكس ألوان براقه، اقتربت منها وناديت عليها ووجدتها قد أغمضت عينها لأخر مره وقد سقط من يدها روايه قد أشارت فيها علي جملة: "كيف إحتملت ؟ كيف إحتملنا وعيشنا وانزلقت شربة الماء من الحلق دون أن نشنق بها ونختنق؟ وما جدوى استحضار ما تحملناه واعادته بالكلام ؟ عند موت من نحب نكفنه نلفه برحمة ونحفر في الأرض عميقا, نبكي ونعرف أننا ندفنه لنمضي إلى مواصلة الحياة, أي عاقل ينبش قبور أحبابه؟, ما المنطق في أن نركض وراء الذاكرة وهي شاردة تسعي إلى الهروب من نفسها " .


تعليقات