انشاء حساب



تسجيل الدخول



24 ديسمبر 2015
1527

حاول البعض التخلص من إستبداد النظام الحاكم ، ناسيين أو متناسين إستبداد المجتمع ، إستبداد الأبوين مع أبنائهم ، والمدرس مع

طلابِه والمدير والمتبوع مع تابعيه ، وإستبداده هو كذلك مع ما حوله !

 

ربما يرحل عنا المستبد القابض على رِقابنا اليوم أو غدًا فهل سيكون شعورنا حينها كمن حُرِرَ – مُدركًا – نفسه من قيود الاستعباد !

أم سنكون كمن تحرر لكنه لم يدرك ذلك فظل مكانه مُتخيلاً وجود القيد !

 

فلا زال البعض منا مُقيدًا بأغلال الماضي ، يتعامل مع الواقع كما كان يتعامل من ذي قبل، حساباته المعقدة خلقت له أعداءً وهميين يرى عباءته لصًا، وظله قاتلاً ، وصداه متربصًا، وهو على حالته، يرجو الكسب، ويخشى الفقد !

 

وأنا كنت كغيري، أحمل أفكارًا سلبية أقعدتني، وأخرى إيجابية أثَّرَت في مجرى حياتي، حَمِلتُها عبر وسائل عديدة ، لعل أهمها ما تعلمته على يد ثلة صبرت وعملت وضحّت ، ثلة علمتني الكثير مما كنت أحتاجه ، ولكن بعد ذلك ، كانوا أوَّل من حطَّم الفكرة، وتجاوز المبدأ، وهو هو من شرحه لي، وزرعه في ثنايا عقلي وروحي !

 

إلا أني ما زلت أذكر يومها .. يوم حرَرَني من تلك القيود إستنشاقي الغاز المسيل، ولسعة الرصاص المطاطي، وصدى الرصاص الحي .

ذلك اليوم , وفيه أصيب كثيرون في عيونهم وأجسادهم، فيه أصبت في قلبي، يوم أن شعرت بما لا يمكنني وصفه، حتى بعد مرور خمسة أعوام حينها بكيت، وداريت دموعي بالدموع التي أسالتها القنابل !

وكنت قد قنعت قبلها أنَّ التغيير لم يعد ممكنًا، وتعلمت كيفية العيش بإيقاعٍ في ظاهرهِ الحرية، وفي باطنه خنوع وتسليم، وإستسلام لعبادٍ لم يراعوا الله في عباده .

 

ومنذ ذلك اليوم، وحتى يومنا هذا، مررت بمشاعر عديدة، كان أسوأها يوم أن رأيت شرذمة التفّت على الثورة، وتركتنا مشغولين في مكاسب وخسائر، وأحزاب وجماعات، وأخذت تنهش في اللب الصلب للثورة، محاولة تحطيم رمزية الميدان، ومصداقيتة.

 

أصحاب الأيادي الملوَّثة والقلوب المنتنة، لحومهم تربَّت على بدل الولاء للحكام الفاسدين، ولكنهم يُؤكدون لنا أنَّهم غيرهم, وأنَّ فِعلهم إنما هو لمصلحتنا التي لا نعرفها، فقتلوا منا الشاب والشيخ، واعتدوا على المرأة والطفل، وبرروا المذابح والمجازر !

ثم رأيت الثورة تُتخذ من قِبَل البعض مطيَّة، ومن قبل البعض ستار، ومن قبل البعض عرض مستباح قابل للإغتصاب، وأعظم الضلال حين شهد على ذلك الإغتصاب، بعض ممَّن ظنَّنا أنهم منا، ولكنهم اندفعوا وراء بعض المكاسب عظيمة المظهر، ضعيفة الجوهر، التي لن تحقق لهم إلا ما حققته تجربة ثورة الشرذمة الأولى !

 

ومنذ ذلك الحين، لم أشعر بتلك المعاني إلا سويعات قليلة، كان مصدرها، ثلة باقية على الثورة !

ثلة لديها في أجهزتها الحيوية جهازًا يستشعر الحرية، والعدالة، والكرامة، والحب، يستشعر درجة تحقق كل منهم، تحاول أن تضبط مسار الثورة، تحاول أن تشرح للآخرين ما لا يمكن تفسيره !

 

ربما لا نرى العقل لكننا نؤمن بوجوده، ربما لا نرى قيم الحرية والعدل، لكننا نؤمن أنها موجودة وأنها تستحق، وأنها ستتحقق يومًا.

الثائر ذلك الذي يصنع ثورة كاملة، ليس شخصًا يمر بحالة شعورية ثورية عابرة، إنما هي حالة حياتية لا يمكنه التخلي عنها، حالة إما أن تنتج تغيير وإصلاح حقيقي، أو شخص مكتئب أو غير مبالي!

 

لا أخفيكم سرًا، فاللائمة لا تقع على عاتق المستبد وحده، إنما يقع على عاتقنا منها الجزء الأكبر، فإنما قيد المستبد كان على الرقاب، إنما قلوبنا وعقولنا لم يكن له عليها سلطان، فهي ملك لله !

 

أما من استسلم للمستبد، وأنفذه في عقله وقلبه فإنه لا يلبث إلا ويتحول إلى مجرد جثة هامدة, جثة ليس فيها أي إرادة للعيش، للعمل، للحياة !

هذه الجثة تظل في الحياة مدفوعة دون أمل، هي كالورقة الذابلة، التي ألقتها الريح من شجرة مخضرة، في فصل غير فصل الخريف، فعلقت في قدم طفل مندهش، أو شوكة شيخ يلملم ما تساقط من تلك الشجرة، فتنتقل من حال إلى حال، ومن مكان إلى مكان، عبر زمان يلعنها، ورداء كالكفن يعزلها، منزوعة الروح !

 

أفضل من قابلتهم في حياتي، نجومهم تدور في فلك الثورة، أولئك الباحثون عن الحقيقة، الذين لا ينتمون إلا لها، لا ينتصرون لرأيهم إنما ينتصرون للحق، ليس لديهم أي مانع في أن يسلموا بخطأ ما قالوه يومًا، بل يسعدوا أن يتعلموا من غيرهم أو يجدوا لديه ما لم يستطيعوا الوصول إليه، منفتحين على كل الاتجاهات، وكل المذاهب، وكل التيارات يأخذون من الجميع خيرهم، ويتركون شرَّهم. ..أوَّابون توَّابون, ارتبطوا بخالقهم فكرة وشعورًا، يحمدونه أن وفقهم للفكرة، ويستغفرونه إن أخطأوا الشعور والمسير.. هم أقرب للمزارع الذي يلقي البذرة، ثم يعكف على حمايتها، وسقايتها، وهو رافع يده إلى السماء يدعو ربهما أن ينبتهما نباتًا حسنًا، وأن يكفّله رعايتها، أو يكفلها لمن يرعاها.. هم من تحرروا من التبعية للكيانات أو التيارات وفضلوا الاستقلالية، هم القابعون في ظلمات السجون، أو المطاردون في كافة الأرجاء منهم من وُفّق وخرج من هذه القرية الظالم أهلها ومنهم من ينتظر أن يحدث الله بعد ما ذلك أمرا .

 

فأما وأننا قد عصف بنا الدهر وأكل علينا الزمان وشرب ولم يذر لنا من سبقونا يوما نهنأ فيه بطريق حلمنا به يومًا .. فلا مفر أن نأخذ حذرنا ألا نتحول يوما فلا ننغص على أبنائنا من بعدنا ما قد يحاولوه .. فلا أسلم من أن نترك وصية لهم تفيدهم بدلاً من ألا نبقي لهم شيئا مما تعلمناه .

 

"فإذا نويتم يوما نية لله خالصة أن تقوموا بثورة، فلا تدعوها أو تسموها بأيامها وتوقيتها، بل ادعوها لأهدافها وأسبابها ذلك أقسط ..

ذلك أدنى ألا يمكر بكم الضالون والمضلون ..

ذلك أقوم ألا يمكر بكم الدهر فتناسوا مبادئكم وأهدافكم يوما وتغريكم الصفقات والسقطات فتنافسوها كما تنافسها أقوام قبلكم ، فتخبط بهم الدهر وأذاقهم وبال حمقهم وتشتتهم ..

ذلك أهدى أن تهتدوا اذا تفرقت بكم السبل بين طريق الحق وطريق الضلالة، ذلك أدعى أن تقوموا أنفسكم ورفقائكم أولا بأول ..

ذلك خير ألا تقتلوا ثورتكم ، خير أن تمنحوا ثورتكم حياة أبدية تجددونها وتوارثوها بدروسها بمبادئها جيلا بعد جيل ..

إدعوها لأهدافها وأسبابها بالله عليكم ، إدعوها لمقاصدها تفلحوا" .

 

 

 


تعليقات