انشاء حساب



تسجيل الدخول



12 نوفمبر 2015
1230

بسهولة يمكننا إدارة ظهرنا لإنتخابات الاتحادات الطلابية التي يفترض أنها تجرى حاليًا في الجامعات، وإذا رأينا عزوفًا من الطلاب عن الإهتمام بالموضوع كلَّه، وأعداد مرشحين قليلة نسبيًّا فلا يمكننا أن نندهش، وصعوبة الإندهاش هنا تأتي من رؤيتنا للركود في المناخ السياسي بشكل عام، مما يجعل توقع عدم مشاركة الطلاب في انتخابات جامعاتهم مفهوم، بجانب أنني لا أظن أن أحدًا من الطلاب –مثلًا- كان يعوّل على اتحاد الطلاب القادم في تحقيق مطلب أو تغيير واقع، وفي الحقيقة،  فعدد –لا أظنه يستهان به- لم يكن يعرف أن هناك اتحاد طلاب قادمًا أصلًا.

والركود لا يدعو للحماسة، ولا يدعو للكتابة عن الموضوع، لكنَّ شابًّا بجامعة القاهرة –بسيط الملامح أسمرها- قد قال ما يمكن أن يستثير الأفكار –ليس فقط عن الاتحادات وانتخاباتها المملة- بل عن وضعنا الهزلي هزلًا يدعو للكآبة.

 

"شافوني حلو..."

"شافوني حلو وحرِك وبعرف أتكلم مع الدكاترة... فقالوا انت كويس وممكن تنفع، فرشح نفسك يعني"، قالها طالبٌ ببساطة ربما لم يشعر معها أنه يقول خطأً، عندما ساقه القدر لأن يسأله مراسل "شفاف" بجامعة القاهرة لتقريرٍ مصوَّر عن الإنتخابات وسيرتها.

هكذا تبدو الاتحادات الطلابية للبعض.. "شافوي حلو وحرِك.. فقالوا انت كويس..."

 

مبدئيًّا، هذا الطالب مقامُه فوق رأسي، وأحترمه كل الاحترام، ولا أقصد أبدًا تناول شخصه، فليس ذلك من حقي ولا من حق غيري، بل ما قاله هو ما يعنينا هنا، وما قاله مهم لا يمكن التغاضي عنه.

ليس غريبًا ما قاله الشاب، بل إنه بدى لي في مضمونه قريبًا من خطابات القيادة السياسية –وأقصد الرئاسيّة منها خاصةً- ومن ناحية أخرى، أظن الشاب يعتبر رمزًا لذات العدد الذي لا أظنه يستهان به من الطلاب، وربما ما ميزه عنهم هو بساطته التي أطلقت كلامه للميكروفون والكاميرا.

بل إنه –حسب كلامه- قد ترشح للانتخابات "تقريبًا"، مما يجعله واحدًا من عددٍ قليلٍ نسبيًّا من الطلاب الذين اهتموا بالترشح. فأرقام المرشحين –ثم المستخلصين في القوائم- تخبرنا أنها في بعض الكليات أقل أصلًا من العدد المطلوب لشغل مقاعد مجلس الاتحاد، مما قد يفتح الباب لإدارات الكليات لشغل باقي مقاعد المجلس بالتعيين، وعلى الرغم من أننا لم نبلغ بعد مرحلة الانتخابات الفعلية –مرحلة اختيار الطلاب لمن يمثلهم بالصناديق-، يوم الإثنين القادم، فإن كل ذلك يدفعنا لتصور مشهد كمشهد الانتخابات البرلمانية أو ألعن.

وهذا العزوف ليس جديدًا، بل نعلمه ممتدًّا من عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، بل ومن قبله، وكتاب "الطلبة والسياسية في مصر" للدكتور أحمد عبد الله رزة يخبرنا –بروايته لفترة مهمة من تاريخ الاتحادات الطلابية- بما يبدو كعلاقة متضمَّنة تقول إنه كلما زادت التدخلات الأمنية في انتخابات الاتحادات الطلابية وسيطرة الدولة عليها، مع القبضة الأمنية، زاد عزوف عموم الطلاب عن المشاركة فيها والاهتمام بها، لكنَّ عوامل أخرى يمكن أن تتداخل في المشهد، ويمكننا استغلال المساحة هنا للتساؤل: هل يمكن أن تكون الاتحادات الطلابية بعد انتخابها فاعلةً حقًّا؟

 

أشُك

"أشك" هي الإجابة. والشك هنا يأتي من محاولة فهم كيف تنظر الدولة للاتحادات الطلابية، وهي التي تنظم انتخابها، وتضع لائحتها، وتحدد شكلها. وهذه النظرة نراها ليست وليدة اليوم، ولكنها ذات جذور تمتد عبر سنين مضت. نراها في الأقوال الصادرة عن الرئيس الأسبق أنور السادات في عهد رئاسته الذي كان من أنشط أوقات الحركة الطلابية في مصر، في مثل قوله: "اللى عايز يفجر موقف فى مصر يلاقي المادة المتفجرة فى مكانين: فى الطلبة باعتبارهم أنهم شباب مندفع لا يتروى فى التفكير عاوز يعيش معركة وعاوز يكون له كيان. والمادة الثانية هى العمال".

وفكرة أن الطلاب " شباب مندفع لا يتروى فى التفكير عاوز يعيش معركة وعاوز يكون له كيان"، تستكمل بما قاله  أمين الشباب بالاتحاد الاشتراكي العربي حينذاك، عام 1972، الدكتور كمال أبو المجد –والذي كان يندبه السادات كثيرًا للتعامل مع الطلاب وضجيجهم-: "... فالحكومة كانت ترى دائمًا أن الطلبة ليست لهم مطالب محددة. وأن ماقدم باسم "الوثائق" قدم فى جو محموم وصيغ على عجل ولم يدرسه أحد، وأن المقصود الوحيد منه كان إحداث المتاعب وخلق المزيد من التوترات. ولهذا بكل الصراحة، لم يأخذ أحد فى الحكومة هذه المطالب مأخذ الجد".

ولكن السادات هو من قال لاتحاد طلاب مصر: "أنا أريد أن يكون العمل السياسى من خلال اتحاد الطلاب المنتخب بالفعل.. هم يقولون إنكم لا تمثلون الطلاب وأنا أقول إنكم تمثلون الطلاب لأنكم أنتم الذين تم انتخابكم.. فيه 30 واحد استطاعوا أن يسحبوا السجادة من تحت أقدامكم أنتم الممثلون الشرعيون لحركة الطلاب"، وقد قال هذا على خلفية أن الاتحادات الطلابية كانت قد بدأت تبتعد عن عموم الطلاب، وبدؤوا يعتبرونها غير ممثلة لهم، وأنها إلى الدولة أقرب، فبدأت الثقة فيها وفي جدواها تقل مع الزمن، ولا زال صدى ذلك إلى اليوم مستمرًّا. وعلى أي حال، فالسادات أتبع قوله السابق بقوله إن ما يجب هو أن يكون "وقت الدرس للدرس والطالب طالب علم وبس".

ألا يبدو لك القول السابق مألوفًا؟ فاليوم يردد معنى القول السابق رؤساء للجامعات المصرية. ولكنَّ عهد السادات ليس هو الأصل التام لهذه النظرة، بل الأمر أيضًا له علاقة بسابقه الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، وفكرة أن الطلاب يمكن أن يندس بينهم الأعداء ويستغلوا لما هو ضد الوطن لم تغب عن بعض خطاباته، وإن اتشحت بدهاء سياسي في القول والفعل، وبالدهاء هذا حاول عبد الناصر أن يسيطر على الحركة الطلابية، وكان مما نتج عنه سلسلة إجراءات فيما بعد عامِ 1953 –منها إنشاء المجلس الأعلى لرعاية الشباب بالجامعات- دفعت الاتحادات الطلابية خاصةً إلى اتجاه يبعد عن السياسة، وينشغل أكثر بالأنشطة الترفيهية، تمامًا كما تستحسنه الدولة حسبما يبدو.

ويبدو أيضًا أن الاتحادات المنشغلة –في غالب انشغالها-  بالأنشطة الترفيهية –وما شاكلها من أنشطة ذات تأثير سياسي محدود أو منعدم- قد استمرت منذ ذلك الحين وإلى الآن، فيبدو أن تشكيلها وطريقة إدارتها وعملها –على تعاقب اللوائح الطلابية التي تضعها الدولة- لا تسمح إلا بذلك.

 

الخلاصة

ستجد أمثلة وتفصيلًا أكثر –إن أردت- في كتاب "الطلبة والسياسة في مصر"، ولكن ما يبدو لي –وقد أكون مخطئًا بطبيعة الحال- خلاصته تتحدد في نقاط أربعة:

  1. لا، ليست الاتحادات الطلابية هي ما صنعت التاريخ، ولم تقد بلادنا نحو تغيرات تاريخية، بل الحركة الطلابية هي ما فعلت ذلك. وواجب علينا استيعاب الفرق بين الحركة الطلابية والاتحادات. الحركة الطلابية أكبر بكثير من مجرد اتحادات، الحركة الطلابية هي فصيل من الفصائل التي –بحراكها-  تؤثر على المجريات السياسية ومن ثم التاريخية في البلاد.
  2. تبدو الاتحادات الطلابية كدائرة ضيقة رسمتها الدولة عبر العقود والعهود على ساحة الحركة الطلابية؛ لأسْرِ أكبر عدد ممكن من الطلاب فيها، وقسر طاقاتهم ونشاطاتهم، ومن ثَم تسييرها فيما تحبه وترضاه.
  3. نتج عن هذا الأسر والقسر عزوف من الطلاب أفرز غيابًا للوعي، وجزء أساسي من الحل قد يكمن في العودة للحراك الطلابي.
  4. لن يكون هناك حراك طلابي حقيقيّ داخل دائرة الاتحادات الطلابية، ولا سبيل للحركة الطلابية إلا بإيجاد مساحات لها خارج هذه الدائرة، بل وربما التمدد خارج الجامعة، وتأسيس كيانات طلابية مستقلة لها تشكيل وطابع يختلف عن الاتحادات الطلابية الحالية، هذا في الغالب لن يكون برضا الدولة، ولكن فليكن! فالدولة ليست إلهًا، واتحاداتها الطلابية ليست دينًا. وأصل هذه الحكاية هو الحركة الطلابية.

تعليقات