انشاء حساب



تسجيل الدخول



خطابات الكراهية والتحريض

كتب بواسطة: يوسف منيع
10 نوفمبر 2015
2228

حرية الرأي والتعبير من أهم حقوق الإنسان فهي وثيقة الصلة بأغلب حقوق الإنسان, فنجد علي سبيل المثال حرية المعتقد الديني ليس لها قيمة إذا لم تتوفر فرصة لأصحاب المعتقدات بالتعبير عن معتقدهم بحرية تامة,

ونجد أن حرية البحث العلمي والحريات الأكاديمية تعتمد في الأساس علي حرية أصحابها في التعبير ونشر نتائج أبحاثهم بحرية تامة, الحق في التظاهر هو بالأساس الحق في التعبير السلمي, الحق في استقلالية الجامعة هو بالأساس يعتمد علي حق أعضاء المجتمع الأكاديمي في التعبير عن آرائهم دون التدخل من أية جهة خارج الجامعة ودون انتهاك أية من حقوق أعضاء المجتمع الأكاديمي من قبل الإدارات الجامعية, وبالطبع هناك حرية الصحافة والإعلام والتي لا تحتاج لإيضاح أين تكمن مساحات الرأي و التعبير بها, ولكن يبقي السؤال هنا هل هي حرية بلا حدود فاصلة وبلا أية قيود؟

في البداية من المهم معرفة الإطار القانوني المنظم لحرية الرأي والتعبير دولياً ومحلياً, فنجد أن المادة ال 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية تمثل الإطار الدولي المنظم لحرية الرأي والتعبير والتي تنص علي أن:

1-  لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة.

2-  لكل إنسان حق في حرية التعبير ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها؛

3-  تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسؤوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:

   (أ) لإحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم،

  (ب) لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.

أما علي المستوي المحلي فنجد أن الدستور المصري قد خص حرية الرأي و التعبير وحرية البحث العلمي وحرية الصحافة بثلاثة مواد هم المواد "47/48/49" إلي جانب تخصيصه فصلاً كاملاً تحت عنوان "سلطة الصحافة" مكون من ستة مواد خاصة بسلطة الصحافة و استقلاليتها  وحظر الرقابة عليها أو مصادرتها وحرية إصدارها وحق الصحفيين في الحصول علي المعلومات.

ومن هنا من الممكن أن ننتقل إلي سؤالنا حول ما إذا كانت حرية الرأي والتعبير حرية مطلقة ام يجوز ان تقيد؟

وفيما يخص ذلك السؤال فسوف نفرق بين حرية اعتناق الآراء وبين حرية التعبير عنها, فلا يجوز تحت أي ظرف أن تقيد حرية أي فرد في اعتناق ما يشاء من الآراء ولايتم التميز ضد أي شخص وفق لآرائه ومعتقداته, أما فيما يخص حرية التعبير فهو حق مقيد ولكن يجب ألا يكون ذلك التقيد يشكل خطراً علي الحق ذاته فيصبح التقيد هو القاعدة. وفيما يخص تلك القيود سوف أركز هنا علي خطابات التحريض والكراهية, فهي أكثر الموضوعات جدلية فيما يتعلق بحرية الرأي والتعبير, ويمكن حصر تلك الجدلية في نقطتان:

الأولي منهما وأنه قد يترتب علي ذلك التعبير " التحريض والكراهية" انتهاكات أخري لحقوق الإنسان مثلما حدث في مذبحة ماسبيرو عندما حرضت الإعلامية رشا مجدي علي تظاهرة لمجموعة من المحتجين المسيحيين مما أدي لمقتل العديد من المحتجين علي أيد بعضاً من الأهالي بجانب وقع العديد من القتلي تحت مدرعات القوات المسلحة, أو كما حدث عندما عبر عن رأيه أحد أئمة المساجد في الشرقية عن المذهب الشيعي وحرض علي التعرض إلي أحد مواطنى القرية ممن يعتنقون المذهب الشيعي مما ترتب علي ذلك قتله.

بينما تختص الإشكالية الثانية بعدم وجود تعريفات قانونية دقيقة لبعض المصطلحات وظوابطها مثل خطاب الكراهية, كما أنه في كثير من الأحيان يرتبط ذلك بنية القائل وبالتالي يصعب إثباتها والحكم علي محتوي التعبير من ظاهره حيث. ولكن لا يتوقف الأمر علي ذلك وفقط ففي الحالة المصرية حيث يتوسع القانون المصري في تعريف جرائم التحريض مما يؤدي إلي فرض قيود كثيرة علي حرية التعبير مما يتعارض مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

وهنا تزداد الإشكالية ما بين الرغبة في حماية حقوق الإنسان الأخري ضد أي خطاب تحريضي أو تميزي وبين رغبة الأنظمة في قمع حرية الرأي والتعبير, كما هو في الحالة المصرية أو في حالة أغلب الدول العربية, حيث تتوسع تلك الأنظمة في استخدام التعبيرات الفضفاضة مثل الآداب العامة والأمن القومي دون تحديد دقيق لتلك المصطلحات.

ويجب الإشارة إلي أن خطاب الكرايهة ليس منفصلاً عن خطاب التحريض بل أنه يمثل الإطار العام الذي يشمل الصور المتعددة للتحريض, ويعني أن كل تحريض علي العنف أو العداوة أو التمييز هو خطاب كراهية بشرط أن يكون ذلك الخطاب قد جاء مبني علي أحد أسس التمييز. كما أن هناك محاولات عدة لوضع اختبارت و معايير لتحديد نطاق الكراهية والتحريض مثل الاختبار السداسي للمادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والذي وضع ستة شروط لوصول التعبير لمرحلة التحريض المحظور وهي:

  1. سياق التعبير
  2. الشخص قائل التعبير أو المتحكم في وسيلة نقله للجمهور
  3. نية قائل التعبير

و نجد أنها من أصعب الشروط إثباتاً ولكن هناك مجموعة من المبادئ تتحكم في قياس نية قائل التعبير وهي:

  • لهجة قائل التعبير
  • هدف قائل التعبير و دوافعه
  • نطاق انتشار وسيلة التعبير و تكرار التعبير ذاته
  1. محتوي التعبير ( ماذا قيل, الجمهور الموجه له التعبير, موقع ضحية التعبير في الخطاب, طريقة التعبير, قوالب التعبير).
  2. الطبيعة العامة للتعبير و إمكانية انتشاره
  3. مدي رجحان حدوث النتائج المترتبة علي التحريض

و نلاحظ أن الإعلام هو أكثر المساحات التي تتواجد بها تلك الجدلية, فلا يتوقف دور الإعلاميون والصحفيون علي نقل الأخبار وفقط خاصة مع انتشار القنوات الفضائية ومواقع التواصل الإجتماعي, حيث أصبح المهشد الإعلامي جزءاً من الحراك ومحرك هام في كثير من الأحداث, وهنا يجب أن نتسأل هل يجوز تقيد حرية الإعلام تحت دعاوي مواجهة خطابات التحريض والكراهية؟ وإذا كان ذلك التقيد مقبولاً فما هي حدوده هل يمكن أن يصل إلي إغلاق أو مصادرة أحد تلك الوسائل أو مقاضاة صاحبها بشأنها؟

في وجهة نظري أنه تجوز تقيد حرية التعبير الإعلامية طالما كان الخطاب الإعلامي يحتوي علي الكراهية والتحريض ضد أي من فئات الشعب, كما يجب أيضاً مواجهة أي خطاب إعلامي ينتهك خصوصية أي من الأفراد, ويجب أن يسلك أي طريق قانوني في مواجهة تلك الانتهاكات, فلا يجوز أن ينتهك حق من حقوق الإنسان بدعوي حماية حق آخر. فلا يجوز أن ندافع عن حرية تعبير أدت إلي مقتل العديد من المحتجين المسيحيون والذين خرجوا في الأساس للتعبير عن آرائهم فلا يجوز أن نواجه التعبير عن الآراء بالتحريض والكراهية, ولا يجوز أن ندافع عن حرية إعلام يحرض لمواجهة متظاهرون سلميون بدعوي أنه يخرجون علي الحاكم وأنهم منحلون أخلاقياً, ولا يجوز أن ندافع عن حرية إعلام يبنتهك خصوصية معارضيه أو ينتهك خصوصية الضحايا ليحولهم إلي متهمون, فكما قلت لا يجوز أن ينتهك حق من حقوق الإنسان تحت دعوي حماية حق آخر.


تعليقات