انشاء حساب



تسجيل الدخول



كتب بواسطة: سامح خليل
26 نوفمبر 2014
2244

قد يبدو وقع اسم سيرجى بارادجانوف غريباً على الكثير من المهتمين بالسينما وربما العاملين بها ايضاً. فى الحقيقة, بارادجانوف قد يبدو اسماً مجهولاً تماماً وسط اسماء مخرجين عظماء مثل: فيلليني وانجمار بيرجمان وكوروساوا وجودار وتاركوفسكي وكياروستامى, لكن المثير فى الأمر هو ان كل تلك الاسماء وغيرهم الكثير من صناع السينما ونقادها ومريديها يعتبرون سيرجى بارادجانوف من اعظم مخرجى السينما فى التاريخ إن لم يكن اعظمهم على الإطلاق, متى جاء سيرجي بارادجانوف الى تلك الدنيا إذاً ومتي رحل؟!

 

بارادجانوف هو مخرج أرميني سوفيتي, ولد فى جورجيا وبدأ عمله كمخرج عام 1950, بداية تعريفية معتادة عند الحديث عن أى شخصية عامة, ربما يجدر بنا عند الحديث عن بارادجانوف عدم سرد المعلومات كنشرة أخبار السادسة, أن نحاول التعرف عليه بعيداً عن كتاب التاريخ رغم لجوئنا إليه, محاولة اقرب للحكى. بارادجانوف إذاً لم يكن مخرجاً سينمائيا فحسب, كان كاتباً وفناناً بكل ما تحمله الكلمة من معنى – رسام ومصمم عرائس خشبية ايضاً بالإضافة لمهاراته المتنوعة -  ومع صدور أول فيلم لأندريه تاركوفسكي "طفولة إيفان" عام 1962, اعتبر بارادجانوف ان أفلامه السابقة كأنها لم تكن وأنه بعد مشاهدته لفيلم تاركوفسكي قد وجد أخيراً ما يبحث عنه كمخرج. تخلى عن الواقعية الاشتراكية فى أفلامه – الأسلوب الفنى السائد فى الاتحاد السوفيتي -  واتجه إلى اسلوب اكثر شعرية تأثراً بتاركوفسكي وفيلمه ليخرج أول أفلامه بعدما أعاد اكتشاف نفسه كمخرج, " ظلال أسلافنا المنسيين " عام 1964, محققاً نجاحاً أهله ليحظى بمكانة كبيرة بين السينمائيين فى الاتحاد السوفيتي والعالم. بارادجانوف توفى فى العام 1990 وفى جعبته – بعد فترة التحول فى أعماله من 1964 – أربعة أفلام فقط!! ماذا حدث فى تلك الفترة؟

 

ما حدث هو الآتى, فى أى دولة قمعية فى أى مكان, مع تزايد القمع السياسى تصبح كافة أشكال التعبير معرضة للقمع كذلك, حتى الفن والأدب البعيدين عن معالجة مشاكل سياسية مباشرة, فن وأدب بعيدين عن المعارضة السياسية, تتضاءل الحريات غير السياسية أمام عصا الأمن والرقابة والمنع ليصبح المجتمع كله أسيراً لرأى وتفضيلات الايديولوجية الحاكمة وبدورها القائمين على الحكم. هكذا كان الاتحاد السوفيتي, وهكذا وُجدت مأساة ابطالها فنانين وأدباء رفضوا الانسياق فى تيار الواقعية الاشتراكية وأرادوا التعبير بحرية عن انفسهم فوجدوا حائط سلطوى ضخم اسمه الرقابة بالإضافة لإزدراء اعمالهم من قبل النقاد ورفضها تماماً. بارادجانوف كان واحداً من هؤلاء.

 

فى العام 1973, بعث تاركوفسكي بخطاب إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعى بأوكرانيا يقول فيها: "...فنياً, هناك قلة من الأشخاص فى العالم من يمكنهم أخذ مكان بارادجانوف. انه مذنب, مذنب بعزلته. ونحن مذنبون بعدم تفكيرنا فيه يومياً وبفشلنا فى عدم اكتشاف أهميته كفنان." جاء هذا الخطاب قبل الحكم علي بارادجانوف بالسجن لمدة خمس سنوات من الأشغال الشاقة فى سيبيريا بتهم أقل ما يقال عنها انها واهية تماماً. وبعد رفض فيلمه الثانى "لون الرمان" عام 1968 من الناحية الفنية ومحاولات الرقابة لإعادة مونتاج فيلم عبقرى مثل لون الرمان, وكمخرج سينمائي, اصبحت حياته تراجيديا حية اثارت تعاطف الكثير من فنانى العالم الذين دشنوا حملة لإطلاق سراحه ولكن بلا أثر.

 

ظل بارادجانوف فى محبسه حتى ديسمبر 1977, فى تلك الفترة لم يكف سيرجى عن الإبداع فأنتج ما يقرب من 800 لوحة وعدد كبير من العرائس الخشبية التى نحتها بيديه على الرغم من مضايقات حراس السجن الذين اعتبروه مجنوناً. خرج بارادجانوف ليجد نفسه حبيساً مرة أخرى, محاطاً بالرقابة فيستمر فى اشباع رغبته الفنية عن طريق المزيد من اللوحات والعرائس والأزياء بعد أن اضحت السينما فى تلك الفترة بالنسبة له, بعيدة المنال. يُعتقل بارادجانوف ثانية فى 1982 بتهمة الرشوة ليخرج بعد بضعة أشهر, هذه المرة لأسباب صحية.

 

ومع نسمات التغيير عام 1984 والتى اعقبها رياح اشتدت على الاتحاد السوفيتي وانتهت بسقوطه, عاد بارادجانوف للسينما بعد غياب 15 عاماً عنها بفيلمه "أسطورة قلعة سورام" ليواصل اكتشافه لتراث وثقافات تلك المنطقة من الجمهوريات السوفيتية, سلسلة بدأها ب " ظلال أسلافنا المنسيين " وصوره الخلابة عن الفلكلور الأوكرانى, ثم "لون الرمان" الذى يحكي قصة شاعر ارميني فى القرون الوسطى, مروراً بأسطورة قلعة سورام والتراث الجورجى لينهى تلك السلسلة بفيلمه الأخير "العاشق الغريب"  عام 1988 بأجواء الفلكلور الأذربيجانى وبإهداء فى أول الفيلم لروح صديقه وصاحب الأثر الأكبر عليه أندريه تاركوفسكي الذى عانى هو الآخر من اضطهاد الرقابة السوفيتية, ليكون إهداء آخر أفلامه " إلى أندريه تاركوفسكى وإلى كل أطفال العالم".

 

بارادجانوف المتمرد الذى قال لا, لم يعبأ النظام السوفيتي القمعى بكونه فناناً لا مثيل له, ولا بروحه المنطلقة أو ثقافته الواسعة, لم يهتم بأفلامه التى خلقت لغة سينمائية جديدة ولا بأفكاره, اهتم النظام فقط بقمعه وقمع أفلامه الأربعة التى تتدفق فيهم الروحانية ويغلب عليها الرمز وتكاد تكون معدومة الحوار فى كثير من الأوقات ويسطع كل كادر فى أفلامه كلوحة فنية مكتملة الأركان, كل هذا لم يشفع للتمرد الذى لم يطل فقط الواقعية الاشتراكية أو السياسة الإلحادية التى تبناها الاتحاد السوفيتي – لم يكن مسموحاً بفن ذو طابع روحانى أو أقرب إلى التصوف – ولكنه طال الفن السينمائي نفسه بمحاولاته المدهشة لخلق لخلق لغة تعبير سينمائية جديدة ومختلفة وهو ما نجح فيه بالفعل.

 

مات سيرجى بارادجانوف فى 1990 قبل أن يكمل فيلمه "الاعتراف" بمرض السرطان – كان السجن أحد العوامل الرئيسية فى تدهور صحته – وترك لنا إرثاً فنياً عظيماً والاكثر انه ترك قصة تراجيدية كأنها شهادته كفنان من أعظم فنانى السينما, شهادته على القمع والاغتراب, على عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية ككل. والآن, هل يتذكر أحد اسم المسئولين عن الرقابة فى الاتحاد السوفيتي آنذاك؟ أو المسئولين عن اعتقاله فى 1973؟ لم يتحول بارادجانوف إلى سلف من أسلافنا المنسيين. كل ما نتذكره هو كم خسر العالم الكثير من الأعمال الفنية المبدعة والتى كان في إمكانه إتمامها فى حالة عدم قمعه. ما نتذكره هو روح فنان رافض متمرد, كرمه الاتحاد السوفيتي نفسه بعد إصلاحات جورباتشوف ليعلن انتصاره فى النهاية. ما نتذكره ليس مجرد ظلال بل موقف منحوت فى الزمن*.

 

ما يلي نص خطاب بعثه أندريه تاركوفسكى إلي بارادجانوف فى سجنه بتاريخ 18 أكتوبر, 1974 :

" عزيزي سيريوجا,

كنت محقاً, موت فاسيلي شوكشين هو رابط للقيد الذى يربطنا جميعاً ببعض, كلنا نفتقدك هنا حقاً, نحبك كثيراً وبالطبع, ننتظر.

كيف هى صحتك؟

هل أنت قادر على استقبال كتب؟ اكتب إليّ (عندما تسنح لك الفرصة) لو أن هناك شيئاً أقدر على فعله الآن.

هنا فى موسكو, نفس الشئ: فيلمى "المرآة" لم يتم الموافقة عليه لنصف عام الآن. لكنى اتمنى أن يوافقوا عليه, إما اليوم أو غداً. أنا متعب جداً من تلك التعقيدات البيروقراطية العبثية. سأرحل لأمضى الشتاء فى الريف على ضفاف النهر. أنت تفهم – كل الناس فى موسكو مبهورون بتجربتك الملحمية. انه من الغريب كيف وقبل أن ندع أنفسنا لنرعى أو نحب بعضنا البعض, ان ننتظر طوفاناً مفاجئاً ليحدث أولاً. وهنا حقاً: " لا كرامة لنبى فى وطنه."

الشئ الوحيد المتأكد منه هو بطولتك, والتى هى فى نفس الوقت خلاصك. ففى النهاية, أنت رجل موهوب جداً (وهذا كلمات لا تكفى!) والاشخاص الموهوبون اقوياء.

فليكن كل ما هو رائع بداخل روحك وليقرضك القوة الآن.

أنا احتضنك يا صديقي العزيز!

لاريسا تبعث بتحياتها وجالا شيبانوفا تحييك.

صديقك, أندريه تاركوفسكى "

 

*النحت فى الزمن هو اسم كتاب لأندريه تاركوفسكى يلخص فيه تجربته ونظريته السينمائية.

 

 

 

 

 

 


تعليقات